كيف تقولون بحجِّيَّةِ فهمِ السلفِ، وقد تغيَّر العصرُ؟
الجوابُ التفصيليّ: ويتبيَّنُ ذلك مِن وجوه: 1- هذه الدعوى تَفتَحُ البابَ أمام العَلْمانيِّين الذين ينادُون بتاريخيَّةِ النصِّ، وهي انتهاكٌ لقُدْسيَّةِ النصِّ الشرعيِّ؛ ليتحوَّلَ مِن حاكمٍ إلى محكوم، وتكونَ المرجعيَّةُ للإنسانِ والواقع، ويكونَ النصُّ مجرَّدَ غطاءٍ للتبرير: فمِن المعلومِ: أن العَلْمانيِّينَ اجتهَدوا في توظيفِ بعضِ علومِ القرآن؛ لتكونَ أساسًا ومبرِّرًا لقَبولِ تاريخيَّةِ النصِّ الشرعيِّ؛ كأسبابِ النزول، والناسخِ والمنسوخ، والمكِّيِّ والمدَنيّ، وحقيقةُ هذه الدعوى: أن أحكامَ الشريعةِ نسبيَّةٌ، وليست مطلَقةً، وأنها أحكامٌ تتعلَّقُ بوقائعَ وحوادثَ جزئيَّةٍ، وأنها ليست صالحةً لكلِّ زمانٍ ومكان. 2- هذه الدعوى تستبطِنُ أساسًا باطلًا، وهو الفهمُ غيرُ الصحيحِ لقاعدةِ: «تغيُّرِ الفتوى بتغيُّرِ الزمانِ والمكان»: فحقيقةُ هذه الشبهةِ مبنيَّةٌ على التهويلِ مِن شأنِ أثرِ العاملِ الزمانيِّ والمكانيِّ، والجوابُ عنها يتضمَّنُ الحاجةَ إلى كشفِ منزلةِ ذلك العامل، والإشارةِ إلى مواطنِ تأثيرِه، ومواطنِ عدمِ تأثيرِه. وليس المقامُ هنا في تحريرِ القولِ في قاعدةِ: «تغيُّرِ الفتوى بتغيُّرِ الزمانِ والمكان»، غيرَ أنه مما ينبغي أن يُعلَمَ: أن الشريعةَ ثابتةٌ، كليَّاتٍ وجزئيَّاتٍ، ما كان حُكمًا للهِ، فهو كذلك إلى يومِ القيامة؛ الواجبُ واجبٌ، والمندوبُ مندوبٌ، والحرامُ حرامٌ، وتغيُّرُ الفتوى إنما هو تحقيقُ مَناطِ اختلافِ الوقائع، لا تغيُّرٌ في أحكامِ الشريعةِ، ولا اختلافٌ. وما مِن مسألةٍ مِن «مسائلِ الدِّينِ»، إلا وقد تكلَّم فيها السلفُ؛ وهذه المسائلُ على نوعَيْن: الأوَّلُ: مسائلُ عِلميَّةٌ يجبُ الإيمانُ بها؛ كالصفاتِ، والقَدَرِ، واليومِ الآخِرِ، ونحوِ ذلك؛ فهذه المسائلُ لا عَلاقةَ لها بتغيُّرِ العصر. والنوعُ الثاني: مسائلُ الأحكامِ العمَليَّةِ؛ فهذه يُحقَّقُ مناطُ الحُكمِ فيها، وَفْقًا لمنهجِ السلفِ والأئمَّةِ في ذلك، ومِن ثَمَّ تغيُّرُ الفتوى فيها متوقِّفٌ على تحقيقِ المناطِ، والمناطُ قد يتغيَّرُ في العصرِ الواحد؛ وعليه فلا عَلاقةَ بين تغيُّرِ الحُكمِ نفسِهِ، وتغيُّرِ العصر. 3- المشابَهةُ بين الناسِ في العاداتِ والأحوالِ التي تمُرُّ بها البشَريَّةُ في شتَّى أعصارِها، أمرٌ مسلَّمٌ به: وهذه العاداتُ والأحوالُ تكادُ تكونُ محصورةً مِن حيثُ إمكانيَّةُ تحديدِ أوجُهِ الشبَهِ بينها، حتى وإن لم يُمكِنْ حصرُ جزئيَّاتِها وأفرادِها؛ وذلك لأن البشَرَ يشترِكون في طبيعةِ الإنسانيَّةِ عقلًا وجسدًا ورُوحًا، فإذا كان الأمرُ كذلك، أمكَنَ جمعُ أطرافِ هذه الوقائعِ وجزئيَّاتِها، عن طريقِ ردِّ المتماثِلاتِ بعضِها إلى بعضٍ، ثم ترتبِطُ بالأصولِ الشرعيَّةِ كلٌّ حسَبَ ما يُشبِهُه، ويكونُ الاجتهادُ في «تحقيقِ المناطِ»، وهو تنزيلُ الحُكمِ الشرعيِّ المستنبَطِ مِن النصِّ على تلك الواقعةِ المعيَّنةِ المشخَّصة.