لماذا المنعُ مِن الخَلْوةِ بالمرأةِ الأجنبيَّةِ، ومَسِّها؟
الجوابُ التفصيليّ:هذه الشبهةُ مما أثاره بعضُ المعاصِرينَ مِن الكُتَّاب، وقد يَبْني عليه بعضُهم جوازَ الخَلْوةِ بالأجنبيَّةِ، ومَسِّها؛ جهلًا وضلالًا. فنذكِّرُ ابتداءً أن الخَلْوةَ بالأجنبيَّةِ، ومَسَّها، مِن المسائلِ المحرَّمةِ بالنصِّ والإجماع، التي لا يَسُوغُ الخلافُ فيها.وأما الحديثُ، فهو ثابتٌ وصحيحٌ مِن جهة، وليس فيه أيُّ مَطعَنٍ للنبوَّةِ، أو إباحةٍ للخَلْوةِ، أو لمَسِّ الأجنبيَّةِ مِن جهةٍ أخرى.أما الجوابُ على هذه الشبهةِ تفصيلًا، فذلك مِن وجوه:1- أُمُّ حَرَامٍ لها قَرَابةٌ بالنبيِّ ﷺ، ومِن المشهورِ: أنها إحدى خالاتِ النبيِّ ﷺ مِن الرَّضاعةِ؛ فلذلك كان يَقِيلُ عندها، وينامُ في حِجْرِها، وتَفْلي رأسَهُ:وهذا ما نَصَّ عليه جمعٌ مِن الأئمَّة، مِن أقدمِهم عبدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ (197هـ)؛ «التمهيدُ» لابن عبد البَرِّ (1/ 226-227)، و«كَشْفُ المُشكِل مِن حديثِ الصحيحَيْن» لابن الجَوْزيّ (4/ 468)، و«فتحُ الباري» (11/79-81).وورودُ هذا الفهمِ عن هذا الإمامِ مِن أئمَّةِ السلفِ: مما يقوِّي هذا التوجيهَ للحديث، ويرجِّحُهُ على توجيهاتٍ أخرى مذكورةٍ عند المتأخِّرينَ مِن أهلِ العلم، وأعني بذلك: قولَهم: «إنَّ جوازَ مَسِّ النبيِّ ﷺ للأجنبيَّةِ والخَلْوةِ بها: مِن خصائصِهِ؛ كجوازِ زواجِهِ بأكثرَ مِن أربعِ نساءٍ»؛ وهذا ما ذهَبَ إليه ابنُ السُّبْكيِّ، وابنُ الملقِّنِ، وابنُ حجَرٍ، والدِّمْياطيُّ، وغيرُهم؛ وهذا الخَصِيصةُ - وإن كان ثبوتُها محتمَلًا - غيرَ أننا في غُنْيةٍ عن جعلِ ما وقَعَ لأمِّ حَرَامٍ مِن بابِها، ما دامت مَحْرَميَّتُها ثابتةً.2- الرَّضاعُ مِن النساءِ الأجنبيَّاتِ مِن الأمورِ المنتشِرةِ في ذلك الوقت، وربَّما خَفِيَ أمرُهُ على أقرَبِ الناس:ومما يدُلُّ على ذلك: ما جاء عن مسروقٍ، قال: قالت عائشةُ: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَعِنْدِي رَجُلٌ قَاعِدٌ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، قَالَتْ: فَقَالَ: «انْظُرْنَ إِخْوَتَكُنَّ مِنَ الرَّضَاعَةِ؛ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ»؛ رواه البخاري (2647، 5102)، ومسلم (1455) فانظُرْ كيف خَفِيَ أمرُ رَضاعةِ مَن هي مِن أقرَبِ الناسِ إليه ﷺ، وهي زَوْجتُه. وعن عبدِ اللهِ بنِ أبي مُلَيكةَ، عن عُقْبةَ بنِ الحارثِ «أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لِأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ، فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي، وَلَا أَخْبَرْتِنِي، فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟!»، فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ، وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ»؛ رواه البخاري (88) وعن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُرِيدَ عَلَى ابْنَةِ حَمْزَةَ، فَقَالَ: «إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي؛ إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الرَّحِمِ»؛ رواه البخاري (2645)، ومسلم (1447) وعن زينبَ بنتِ أبي سَلَمةَ «أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: إِنَّا قَدْ تَحَدَّثْنَا أَنَّكَ نَاكِحٌ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَعَلَى أُمِّ سَلَمَةَ؟ لَوْ لَمْ أَنْكِحْ أُمَّ سَلَمَةَ، مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّ أَبَاهَا أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ»؛ رواه البخاري (5123)، ومسلم (1449) 3- أما ثبوتُ الحديثِ، فالحديثُ لم ينفرِدْ به الإمامُ البخاريُّ؛ فقد رواه أئمَّةٌ قبله وبعده:فمَن طعَنَ في البخاريِّ و«صحيحِهِ» بسببِ إخراجِهِ للحديثِ، يَلزَمُهُ أن يَطعَنَ في جميعِ مَن أخرَجَ الحديثَ: مَن كان منهم قبل البخاريِّ، أو بعده؛ لأن في الحديثِ - حسَبَ كلامِهم - طعنًا في النبيِّ ﷺ، ومنافاةً لعصمتِهِ ونبوَّتِه.فمجرَّدُ ذِكْرِ حديثٍ في كتابٍ مَّا فيه طعنٌ في النبيِّ ﷺ - حتى ولو لم يشترِطْ مؤلِّفُهُ الصحَّةَ - يُعَدُّ جِنايةً وزَلَلًا يسقُطُ به صاحبُه، بل يَلزَمُهم على هذا الطعنُ في جميعِ رواةِ الحديث؛ سواءٌ كانوا مِن الصحابة، أو مِن التابِعينَ، أو تابِعيهم؛ إذِ الطعنُ في راوٍ معيَّنٍ دون حجَّةٍ، تحكُّمٌ يُنافيهِ المنهجُ العلميُّ السليم.فقد أخرَجَ الحديثَ أكثرُ مِن ثلاثين كتابًا مشهورًا مِن كُتُبِ السنَّةِ، وأكثرُ مِن عشَرةٍ منهم ماتوا قبل البخاريِّ؛ كمالكِ بنِ أنسٍ (179هـ) في «الموطَّأ»، وعبدِ اللهِ بنِ المبارَكِ (181 هـ) في «الجهاد»، وأبي إسحاقَ الفَزَاريِّ (184 هـ) في «السِّيَر»، وغيرِهم، وأصحابِ المسانيدِ المشهورةِ والسُّنَنِ، وغيرِهم.