ما الحكمةُ مِن تشريعِ الصوم؟
الجوابُ التفصيليّ: هنالك مَن ينتقِدُ الصيامَ في الإسلامِ، ويَرَى أنه يؤدِّي إلى تعطيلِ الإنتاجِ، وإضعافِ العمل. والجوابُ على هذه الشبهةِ مِن عدَّةِ أوجُه: الوجهُ الأوَّلُ: الصيامُ في الإسلامِ عبادةٌ يتقرَّبُ بها المسلِمُ إلى ربِّه عزَّ وجلَّ، وله فوائدُ ومنافعُ وحِكَمٌ عظيمةٌ، تعودُ على الفردِ والمجتمَعِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 184]. ونظرةُ الإسلامِ في الرُّقِيِّ بالإنسانِ، وحياةِ المجتمَعاتِ البشَريَّةِ، هي نَظْرةٌ شاملةٌ لكافَّةِ جوانبِ حياةِ الإنسانِ، وحياةِ المجتمَعِ، وليست نظرةً مادِّيَّةً قاصرةً تهتمُّ بالجانبِ المادِّيِّ، وتُغفِلُ بقيَّةَ الجوانبِ الأخرى التي هي أهمُّ؛ كعبادةِ اللهِ الخالقِ القويِّ العزيزِ الرحيمِ المالك. وأيضًا: ما يَتبَعُ ذلك مِن الجانبِ الرُّوحيِّ، والجِسْميِّ، والأخلاقيِّ، والاجتماعيِّ، وغيرِها مِن الجوانبِ التي للصيامِ أثرٌ إيجابيٌّ في تنميتِها في حياةِ الفردِ والمجتمَع. الوجهُ الثاني: الصومُ مِن العباداتِ التي وُجِدَتْ في الأديانِ السابقةِ للإسلامِ؛ فقد أخبَرَ القرآنُ الكريمُ أن الصومَ كان مفروضًا على الأُمَمِ التي كانت مِن قبلِنا؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، وحتى في هذا الزمَنِ المعاصِرِ: هنالك مِن غيرِ المسلِمين مَن يمارِسُ الصيامَ؛ لِمَا يجدُ فيه مِن فوائدَ صحيَّةٍ ورُوحيَّةٍ. فالصيامُ له آثارٌ عظيمةٌ، وفوائدُ كبيرةٌ، على الإنسانِ والمجتمَعِ، باطنًا وظاهرًا؛ ويدُلُّ على ذلك: أن الله فرَضَهُ علينا، وعلى الأُمَمِ مِن قبلِنا، وكونُهُ يُفرَضُ على تلك الأعدادِ الهائلةِ مِن الأُمَمِ فيه دليلٌ على ما يتضمَّنُهُ مِن الأسرارِ والحِكَمِ والفوائد. الوجهُ الثالثُ: الصومُ وسيلةٌ لإصلاحِ نفسِ الإنسان، وتحقيقِ التقوى في قلبِه؛ لأن النفسَ إذا امتنَعَتْ عن الحلالِ مِن أجلِ مَرْضاةِ اللهِ تعالى، وخوفًا مِن عقابِه، فسوف تمتنِعُ عن الوقوعِ في الحرامِ والمعاصي، فكان الصومُ سببًا للتقوى؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]. والصومُ يساعِدُ الإنسانَ على ضبطِ النفسِ، والسيطرةِ عليها، وقيادتِها لما فيه مصلحتُها وسعادتُها في الدنيا والآخرة. الوجهُ الرابعُ: الصومُ يَجعَلُ الغنيَّ المقتدِرَ في المجتمَعِ يستشعِرُ حالَ الفقراءِ فيه، ويبادِلُهمُ الرحمةَ والعطفَ والإحسانَ؛ لأن الصائمَ إذا ذاق ألَمَ الجوعِ في بعضِ الأوقاتِ، ذكَرَ مَن هذا حالُهُ في جميعِ الأوقاتِ أو غالبِها، فتسارَعَ إلى قلبِهِ الرِّقَّةُ والرحمةُ لهؤلاءِ المساكِين؛ فيُحسِنُ إليهم؛ فيحصُلُ بذلك التكافُلُ الاجتماعيُّ، والتعاونُ، والتآزُرُ بين أفرادِ المجتمَع. الوجهُ الخامسُ: الصومُ يترتَّبُ عليه فوائدُ صحيَّةٌ لجسمِ الإنسانِ مِن خلالِ تقليلِ الطعامِ والشرابِ، وإراحةِ جِهازِ الهضم؛ فالصيامُ علاجٌ للكثيرِ مِن الأمراضِ التي تُصيبُ جسمَ الإنسانِ نتيجةَ زيادةِ كَمِّيَّةِ غذائِه، وكذلك فيه وقايةٌ للجسمِ مِن أمراضٍ كثيرة. وهناك الكثيرُ مِن المصادرِ المعرفيَّةِ والدِّراساتِ التي تنقُلُ عن العلماءِ المعاصِرين فوائدَ الصيام، ومنها: نقولاتٌ عن «الإنسانُ ذلك المجهولُ» لألكسيس كاريل، الحائزِ على جائزةِ نُوبِل في الطبِّ، ونقولاتٌ عن أطبَّاءَ؛ مثلُ الدكتورِ هالبروك Holbrook، والدكتور ليك Liek، وكذلك دراساتٌ أخرى عن فوائدِ صيامِ أيَّامٍ معيَّنةٍ؛ كصيامِ أيَّامِ البِيضِ؛ إشارةً إلى أن القمَرَ يسبِّبُ - في أيامِ الثالثَ عشَرَ، والرابعَ عشَرَ، والخامسَ عشَرَ - زيادةَ التهيُّجِ العصَبيِّ، والتوتُّرِ النَّفْسيِّ إلى درجةٍ بالغةٍ، تُصيبُ بعضَ الناسِ بمرَضِ الجنونِ القَمَريِّ، والصومُ يعدِّلُ ذلك. إن هذا التشريعَ المحكَمَ الذي يتضمَّنُ أسرارًا لأدَقِّ الاكتشافاتِ الطبيَّةِ، والذي نزَلَ به القرآنُ في زمنٍ يستحيلُ على البشَرِ فيه معرفتُها -: يدُلُّ على مصدرِهِ الإلهيِّ؛ كما قال تعالى: {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 6]. الوجهُ السادسُ: الصومُ له فوائدُ كبيرةٌ في صحَّةِ جسمِ الإنسانِ، وسُمُوِّ رُوحِه؛ وهذا مِن شأنِهِ أن يمُدَّ الإنسانَ بطاقةٍ رُوحيَّةٍ تَجعَلُهُ أقدَرَ على الإنتاجِ والعمَلِ، وقد وقعَتْ أحداثٌ تاريخيَّةٌ كبرى في تاريخِ المسلِمين في شهرِ رمضانَ المبارَكِ، ومِن ذلك: غزوةُ بَدْرٍ الكبرى التي وقعَتْ في الـ (17) مِن شهرِ رمضانَ، في السنةِ الثانيةِ للهجرة، وكانت معركةً مُهِمَّةً في تاريخِ الإسلامِ، وفي شهرِ رمضانَ: كان فتحُ مكَّةَ في السنةِ الثامنةِ للهجرة، وفي شهرِ رمضانَ: كانت معركةُ عَيْنِ جالُوتَ الشهيرةُ، والتي انتصَرَ فيها المسلِمون على التتار، وكانت في (25) مِن شهرِ رمضانَ، سنةَ (658) للهجرة، وغيرُ ذلك مِن الأحداثِ التاريخيَّةِ المهمَّةِ التي حصَلَتْ في شهرِ رمضان، مما يؤكِّدُ أن شهرَ رمضانَ - في تاريخِ المسلِمين - كان تاريخَ انتصاراتٍ، وإنجازِ أعمالٍ عظيمةٍ. الوجهُ السابعُ: الصيامُ الواجبُ في الإسلامِ مُدَّتُهُ ووقتُهُ ليس طويلًا يشُقُّ على الإنسانِ، فمُدَّتُهُ الزمنيَّةُ يسيرةٌ ومحتمَلةٌ؛ فهو شهرٌ واحدٌ في العام: (30 يومًا)، أو (29 يومًا)، مِن إجماليِّ عددِ أيَّامِ السنةِ الهجريَّة، البالغِ عددُها ما يقارِبُ الـ (354 يومًا)، ويَبدَأُ وقتُهُ مِن طلوعِ الفجرِ إلى غروبِ الشمسِ، فهي ساعاتٌ معدودةٌ في اليوم، يستطيعُ المسلِمُ تحمُّلَها دون أن تؤثِّرَ على مَجْرى حياتِهِ وعملِهِ وإنتاجِه، مع ما يحقِّقُهُ له الصيامُ مِن أجورٍ وفوائدَ عظيمةٍ. وعند وجودِ أيِّ مشقَّةٍ في الصومِ على الإنسانِ؛ بسببِ المرضِ، أو السفَرِ، وغيرِ ذلك؛ فقد رُخِّصَ له في عدمِ الصيامِ، والإفطارِ في نهارِ رمضانَ، مع قضاءِ ذلك الصيامِ عند قدرتِهِ واستطاعتِه؛ وهذا مِن اليُسْرِ والسماحةِ والرحمةِ في دِينِ الإسلامِ؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 183-184]. الوجهُ الثامنُ: ما يحصُلُ في بعضِ البلادِ الإسلاميَّةِ مِن قلَّةٍ للإنتاجِ في شهرِ رمضانَ، فإنه لا يَرجِعُ في الحقيقةِ إلى الصيامِ، وإنما يَرجِعُ ذلك التكاسُلُ إلى التعوُّدِ على السَّهَرِ والنومِ المتأخِّرِ؛ مما يَجعَلُ الشخصَ يَنهَضُ متكاسِلًا ومُتعَبًا أثناءَ النهار، وبالتالي: يَقِلُّ نشاطُهُ وإنتاجيَّتُه، ولو أن المسلِمَ أدَّى الصيامَ بسُنَنِهِ وآدابِهِ وَفْقَ الهَدْيِ والطريقةِ التي كان عليها النبيُّ محمَّدٌ ﷺ في صيامِهِ؛ مِن المحافَظةِ على تعجيلِ الفُطورِ، والنومِ المبكِّر، وتأخيرِ وجبةِ السُّحور -: فإن الصومَ سوف يَجعَلُ حياتَهُ وإنتاجيَّتَهُ أفضَلَ.