لماذا جعَلَ اللهُ ملائكةً عن اليمينِ والشمالِ لكتابةِ الأعمال، مع أنها مكتوبةٌ في اللَّوْحِ المحفوظ؟
الجوابُ التفصيليّ: وجودُ الملائكةِ، وكتابتُهم لأفعالِ العبادِ، له حِكَمٌ، منها: أوَّلًا: أن الإنسانَ إذا عَلِمَ أن هناك مَن وُكِّلَ بحفظِ أعمالِه، دفَعهُ ذلك إلى أن يتحرَّزَ مِن الأعمالِ السيِّئة، ويُقبِلَ على الأعمالِ الصالحة. ثانيًا: أن الإنسانَ قد يغفُلُ عن استحضارِ علمِ اللهِ تعالى، فإذا تخلَّف استحضارُهُ لمعيَّةِ الله، ربما أتاهُ مذكِّرٌ، فاستحضَرَ أن هناك مَن يسجِّلُ عليه حسناتِهِ وسيِّئاتِه. ثالثًا: أن اللهَ تعالى خلَقَ الملائكةَ، وجعَلَ لهم أعمالًا، ومِن ضِمنِ هذه الأعمال: كتابةُ أعمالِ العبادِ؛ فهذه عبادةٌ لهم، وهم يتعبَّدون للهِ محبَّةً له، وامتثالًا لأمرِه، فليسوا كالموظَّفين الذين يتضجَّرون مِن أعمالِهم، وقد قال اللهُ مخبِرًا عنهم: {فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ} [فصلت: 38]. رابعًا: أننا نتعلَّمُ مِن هذا أن الكونَ يَمْضي بنظامٍ وترتيب، وهكذا ينبغي أن تكونَ أمورُنا. خامسًا: أن الحِفظَ إذا كثُرَتْ مواردُهُ، كان أَدْعى للقَبول؛ فما تَراهُ بعينِكَ، وتَسمَعُهُ بأُذُنِكَ، وتكتُبُهُ بيدِكَ، أقوى مما تَفعَلُهُ بإحدى هذه الأمورِ وحدها؛ فإنه إذا كان الخالقُ المتَّصِفُ بصفاتِ الجلالِ والكمال، والمنزَّهِ عن الخطأِ والنِّسْيانِ، قد كتَبَ علمَهُ ودوَّنهُ في اللوحِ المحفوظِ، وبواسطةِ ملائكتِه، فالإنسانُ صاحبُ النسيانِ والخطأِ أَوْلى بالكتابة. سادسًا: أن في الكتابةِ دليلًا مادِّيًّا محسوسًا، وفي هذا مزيدٌ مِن إقامةِ الحُجَّةِ على الإنسان. وقد كتَبَ اللهُ تعالى أعمالَ العبادِ في اللوحِ المحفوظِ، ومع أن اللهَ تعالى لا يَنْسى، ولا يعتريهِ ما يعتري الخَلْقَ مِن نقصٍ، إلا أن الكتابةَ مرتبةٌ مِن مراتبِ القدَرِ الأربعِ، والتي هي: «العِلْمُ، والكتابةُ، و المَشِيئةُ، والخَلْقُ»؛ فهي مرتبةٌ تاليةٌ لمرتبةِ العلم. فاللهُ تعالى عَلِمَ ما كان، وما يكونُ، ثم كتَبَ ذلك سبحانه وبحمدِه. وفي الكتابةِ: إثباتُ أن عِلمَهُ تعالى لا يتبدَّلُ، ولا يتغيَّرُ؛ وهو جوابُ مُوسى عليه السلامُ في حوارِهِ مع فِرْعَوْنَ؛ حيثُ سأل فرعونُ عن القرونِ السابقةِ: هل هم في النارِ أم لا، فأجابه موسى أنَّ عِلمَ حالِهم عند الله، وهو في اللوحِ المحفوظ، وأعلَمهُ أن وجودَ ذلك العِلمِ في اللوحِ هو مع اتِّصافِ ربِّه تعالى بالاستغناءِ عنه، وأنه سبحانه لا يتَّصِفُ بالنِّسْيان، ولا بالخطأ؛ كما هو حالُ البشَرِ؛ قال تعالى: {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى} [طـه: 51- 52]. كما أن في الكتابةِ تطمينًا للعبدِ المسلِمِ، بأن ما أصابه لم يكن ليُخطِئَه، وما أخطأه لم يكن ليُصيبَه.