بينات

شبهات حول دواوين السنة ورواتها وعلمائها

العودة للتصنيفات

اتهام الزهري بالكذب وعدم الأمانة في الحديث

اتهام الزهري بالكذب وعدم الأمانة في الحديث
يتهم بعض المغرضين الإمام الزهري بعدم الأمانة، والكذب في الحديث، ويزعمون أن علاقته بالأمويين كانت سببا في ذلك، ومن مظاهر هذه العلاقة: تحركه في حاشية السلطان، وحجه مع الحجاج المعروف بالظلم والطغيان، وتربيته لأولاد هشام بن عبد الملك. مستدلين بذلك على مداهنته للخلفاء والأمراء. هادفين من وراء ذلك إلى الطعن في عدالة الإمام الزهري. 1) لقد أجمع العلماء والمحدثون على عدالة الزهري، وتوثيقه، وورعه، فضلا عن كونه عالم الأمة ومحدثها في زمانه، والذي جمعت السنة على يديه. 2) إن صلة الزهري بالأمويين صلة الناصح الأمين للحكام، وعليه فلا غضاضة من وجوده في حاشيتهم، أو تربيته لأولادهم؛ لأنهم الخلفاء، فكيف يتهم بموالاتهم، وقد أنكر عليهم في بعض المواقف؟! إن المتأمل في كتب علماء الجرح والتعديل، وما كتبه أصحاب التراجم وكتب الرجال، يتبين له دون أدنى ريبة أن العلماء جميعا قد اتفقوا على توثيق الإمام الزهري، وإتقانه وعدالته وصدقه، ويمكننا تفصيل هذه الحقيقة بذكر بعض ما أورده هؤلاء العلماء في ذلك: قال ابن سعد: "كان الزهري ثقة، كثير العلم والحديث والرواية، فقيها جامعا"([1]). وقال النسائي: "أحسن أسانيد تروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعة: الزهري عن علي بن الحسن عن أبيه عن جده، والزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن عمر رضي الله عنه، وذكر الطريقين الآخرين" ([2]). وقال الإمام أحمد: "الزهري أحسن الناس حديثا، وأجود الناس إسنادا "([3]). وقال ابن أبي حاتم: "سئل أبو زرعة: أي الإسناد أصح؟ فقال: أربعة: أولها الزهري عن سالم عن أبيه"([4]). قال عنه ابن حبان في كتاب "الثقات": "كان من أحفظ أهل زمانه، وأحسنهم سياقا لمتون الأخبار، وكان فقيها فاضلا، روى عنه الناس"([5]). وترجم له الإمام الذهبي في "تذكرة الحفاظ" تحت عنوان: "الزهري أعلم الحفاظ"([6])، كما قال عنه في بداية ترجمته له في "سير أعلام النبلاء" بعد أن ذكر نسبه: "الإمام العلم، حافظ زمانه أبو بكر القرشي الزهري نزيل الشام"([7]). كما ترجم له الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه "تهذيب التهذيب" تحت عنوان: "الفقيه أبو بكر الحافظ المدني أحد الأئمة الأعلام، وعالم الحجاز والشام" ([8]). · طلبه العلم وحرصه على التعلم ينفي عنه التهمة بمداهنة أحد من الحكام: قال أحمد بن عبد الله العجلي: "أدرك (الزهري) من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنس بن مالك، وسهل بن سعد، وعبد الرحمن بن أزهر، ومحمود بن الربيع الأنصاري، وروى عن عبد الله بن عمر نحوا من ثلاثة أحاديث، وروى عن السائب بن يزيد"([9]). وقال أبو بكر بن منجويه: "رأى عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من أحفظ أهل زمانه، وأحسنهم سياقا لمتون الأخبار، وكان فقيها فاضلا"([10]). وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: "جالست سعيد بن المسيب ثمان سنين تمس ركبتي ركبته"([11])، وقال إبراهيم بن سعد عن أبيه: "ما سبقنا ابن شهاب بشيء من العلم، إلا أنه كان يشد ثوبه عند صدره، ويسأل عما يريد، وكنا تمنعنا الحداثة"([12])، وقال عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه: "كنت أطوف أنا وابن شهاب، ومع ابن شهاب الألواح والصحف، قال: وكنا نضحك به"، وفي رواية قال: "كنا نكتب الحلال والحرام، وكان ابن شهاب يكتب كل ما سمع، فلما احتيج إليه علمت أنه أعلم الناس"([13]). وقال إبراهيم بن سعد عن محمد بن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: "كان ابن شهاب يختلف إلى الأعرج، وكان الأعرج يكتب المصاحف، فيسأله عن الحديث، ثم يأخذ قطعة ورق فيكتب فيها، ثم يتحفظه، فإذا حفظ الحديث مزق الرقعة"([14]). وقال معمر عن صالح بن كيسان: "كنت أطلب العلم أنا والزهري، فكنا نكتب السنن. قال: فكتبنا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: تعال نكتب ما جاء عن الصحابة. قال: فكتب ولم أكتب، فأنجح وضيعت" ([15]). وقال أحمد بن سنان القطان عن عبد الرحمن بن مهدي: سمعت مالك بن أنس يقول: حدث الزهري يوما بحديث، فلما قام قمت فأخذت بعنان دابته فاستفهمته. قال: تستفهمني؟ ما استفهمت عالما قط، ولا رددت شيئا على عالم قط. وقال عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري: ما استعدت حديثا قط، ولا شككت في حديث، إلا حديثا واحدا، فسألت صاحبي، فإذا هو كما حفظت. وقال عبد الملك بن الماجشون عن إبراهيم بن سعد: قلت لأبي: ما فاقكم الزهري؟ قال: كان يأتي المجالس من صدورها، ولا يأتيها من خلفها، ولا يبقي في المجلس شابا إلا ساءله، ولا كهلا إلا ساءله، ولا فتى إلا ساءله،ثم يأتي الدار من دور الأنصار فلا يبقي فيها شابا إلا ساءله، ولا كهلا إلا ساءله، ولا عجوزا إلا ساءلها، ولا كهلة إلا ساءلها، حتى يحاول ربات الحجال([16]). · مكانته العلمية: إن الحديث عن مكانة الإمام الزهري في العلم، وثناء العلماء على علمه يحتاج إلى مصنف كامل أو يزيد، ولكننا نكتفي بأبرز ما قاله الأئمة والعلماء عن مكانته العلمية، وأمانته ودقته في رواية الحديث؛ حتى يتبين كذب قولهم وتهافت دعواهم، يقول ابن سعد: أخبرت عن سفيان بن عيينة، قال: قال عمرو بن دينار: "ما رأيت أحدا أبصر بحديث من الزهري". وقال عبد الرحمن بن مهدي عن وهيب قال: "سمعت أيوب يقول: ما رأيت أحدا أعلم من الزهري، فقال صخر بن جويرية: ولا الحسن؟ قال: ما رأيت أحدا أعلم من الزهري"([17]).  ويروي ابن عساكر عن أحمد بن أبي الحواري قال: "حدثنا الوليد بن مسلم، قال: خرج الزهري من الخضراء، فجلس ذلك العمود من عند عبد الملك، فقال: يا أيها الناس إنا كنا قد منعناكم شيئا قد بذلناه لهؤلاء، فتعالوا حتى أحدثكم، قال: فسمعهم يقولون: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا أهل الشام ما لي أرى أحاديثكم ليست لها أزمة ولا خطم؟! قال الوليد: فتمسك أصحابنا بالأسانيد من يومئذ"([18]). وعن عبد الرزاق أنه سمع معمرا يقول: "كنا نرى أنا قد أكثرنا عن الزهري، حتى قتل الوليد، فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزائنه، يقول: من علم الزهري"([19]).  وروى محمد بن الحسن بن زبالة، عن الدراوردي، قال: "أول من دون العلم وكتبه ابن شهاب، وقال أبو سلمة المنقري: حدثنا ابن عيينة عن عمرو قال: جالست ابن عباس، وابن عمر، وجابرا، وابن الزبير، فلم أر واحدا أنسق للحديث من الزهري، وقال ابن عيينة: كانوا يرون يوم مات الزهري أنه ليس أحد أعلم بالسنة منه، وعن بقية، عن شعيب بن أبي حمزة: قيل لمكحول: من أعلم من لقيت؟ قال: ابن شهاب، قيل: ثم من؟

مقالات ذات صلة