بينات

شبهات حول دواوين السنة ورواتها وعلمائها

العودة للتصنيفات

الزعم أن أحاديث الموطأ لا يصح الاحتجاج بها

الزعم أن أحاديث الموطأ لا يصح الاحتجاج بها
يزعم بعض منكري السنة أن أحاديث الموطأ لا يصح الاحتجاج بها، ويستدلون على ذلك بأن الإمام مالك - نفسه - لم يكن واثقا من صحة موطئه مما جعله يرفض اقتراح الخليفة أبي جعفر المنصور بنسخ نسخ من الموطأ، وتوزيعها على أمصار المسلمين، فقال له الإمام: "يا أمير المؤمنين لا ينبغي أن نحمل الناس على قول رجل واحد يخطئ ويصيب". وهذا كله في ظنهم يدل على أن أحاديث الموطأ ليس مقطوعا بصحتها؛ إذ قد نص الإمام مالك نفسه على أن به الخطأ والصواب، وعليه فلا يصح الاحتجاج بما في الموطأ من الأحاديث. رامين من وراء ذلك إلى الطعن في موطأ الإمام مالك خاصة، والطعن في السنة النبوية عامة. 1) إن الشروط التي وضعها الإمام مالك لقبول الأحاديث في موطئه تنأى بالموطأ عن أن تكون أحاديثه لا يصح الاحتجاج بها، إذ ظل أربعين سنة ينقحه ويهذبه؛ حتى عرف له القدماء قدره ومكانته بين كتب الحديث. 2) إن جميع الآراء الواردة حول درجة الموطأ في السنة لا يخرج أي منها عن كون الموطأ من أصح كتب الحديث النبوي، فبعضها يجعله مقدما على الصحيحين، وبعضها يجعله في مرتبة واحدة معهما، وبعضها يجعله بعدهما مباشرة من حيث الصحة. 3) إن ما يقصده الإمام مالك بقوله: "لا ينبغي أن نحمل الناس على قول رجل واحد يخطئ ويصيب" هو آراؤه واجتهاداته الفقهية التي كان يدلي بها عقب كل حديث يذكره، وليس ما في الموطأ من الأحاديث. الإمام مالك هو أول من سلك منهج التحري وتوخي الصحيح وانتقاء الأحاديث وفق معايير وضوابط محددة، حتى أثمر هذا الجهد عن كتاب الموطأ الذي أمضى فيه أربعين عاما، وهو يهذب فيه وينقح إلى أن واستقر فيه على خمسمائة حديث أو أكثر بقليل هي خلاصة الروايات التي اطمأن لها بعد عرضها على الكتاب والسنة الصحيحة، وعمل أهل المدينة. وهذا الذي جعل الإمام الشافعي رحمه الله يقول: "ما في الأرض بعد كتاب الله أكثر صوابا من موطأ الإمام مالك بن أنس"([1]). وكان منهج مالك أن لا يروي إلا عن الثقات؛ ولذا أثنى عليه الأئمة وامتدحوا صنيعه؛ قال سفيان بن عيينة: "رحم الله مالكا، ما كان أشد انتقاده للرجال!"([2]). وقال يحيى بن معين: "كل ما روى عنه مالك ثقة إلا عبد الكريم أبا أمية"([3]). وقال بشر بن عمر الزهراني: "سألت مالكا عن رجل، فقال: رأيته في كتبي؟ قلت: لا، قال: لو كان ثقة لرأيته في كتبي"([4]). قال محمد بن عبدالله بن عبد الحكم والربيع بن سليمان الشافعي: "سمعنا الشافعي يقول: كان مالك إذا شك في الحديث طرحه كله"([5]). ومما تقدم يتبين أن مالكا لا يروي إلا عن ثقة عنده، ولم يكتف بذلك، بل كان يشترط الشهرة بطلب العلم والعناية به؛ حتى يعلم الراوي ما يحدث به. قال مطرف بن عبد الله: أشهد لسمعت مالكا يقول: أدركت ببلدنا هذا مشيخة لهم فضل وصلاح وعبادة يحدثون فما كتبت عن أحد منهم حديثا قط، قلت: لم يا أبا عبد الله؟ قال: لأنهم لم يكونوا يعرفون ما يحدثون([6]). ويعد موطأ الإمام مالك أول كتاب دون في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآثار الصحابة، وفتاوى التابعين، توخى فيه واضعه، منهجا فريدا، تبدو معالمه فيما يأتي([7]): 1. التزم الإمام مالك بذكر الثقات من الرجال، حتى كان ذكر الرجل في الموطأ يعد حكما عليه بالتوثيق قال ابن معين: "كل من روى عنه مالك فهو ثقة إلا عبد الكريم أبا أمية" كما سبق ذكره. لقد اشتهر الإمام مالك بنقد الرجال نقد الفاهم الخبير، فقد أثرت عنه كلمات في شروط الرجال - الذين يستحقون أن يروي عنهم - تعد بيانا لشروط الرواة المقبولة روايتهم. ومن ذلك قوله: لا يؤخذ العلم من أربعة، ويؤخذ ممن سوى ذلك: لا يؤخذ من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من سفيه معلن بالسفه، ولو كان أروى الناس، ولا من رجل يكذب في أحاديث الناس، وإن كنت لا تتهمه أن يكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا من شيخ له فضل وصلاح وعبادة، إذا كان لا يعرف ما يحدث([8]). فهو لا يكتفي - كما ترى - بالعدالة والضبط، بل لا بد أن يكون الراوي عنده ممن يزن ما ينقل إليه، ويتعرف حاله وحال من ينقل عنه؛ ولذا كان يرفض أحاديث رجال كثيرين من أهل الصلاح، ويعرف لهم فضلهم وتقواهم وصلاحهم، وكان يقول: "أدركت بهذه البلدة أقواما لو استسقي بهم القطر لسقوا، قد سمعوا العلم والحديث كثيرا، ما حدثت عن أحد منهم شيئا؛ لأنهم كانوا ألزموا أنفسهم خوف الله والزهد، وهذا الشأن - يعني الحديث والفتيا - يحتاج إلى رجل معه تقى وورع وصيانة، وإتقان وعلم وفهم، فيعلم ما يخرج من رأسه، وما يصل إليه غدا، فأما رجل بلا إتقان ولا معرفة، فلا ينتفع به، ولا هو حجة، ولا يؤخذ عنه"([9]). ولهذا لم يرو الإمام مالك عن كثيرين من أهل الصلاح والتقى، إذ لم يكونوا ضابطين؛ ولذا كان يقول: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذونه، لقد أدركت سبعين ممن يقولون: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنده هذه الأساطين، وأشار إلى المسجد، فما أخذت عنهم شيئا، وإن أحدهم لو اؤتمن على بيت مال لكان أمينا، إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن"([10]). من ثم كان الإمام مالك حريصا على أن يكون الرواي الذي يروي عنه عدلا، ليس من أهل الهوى، ضابطا، فاهما لما يروي، لذا كان يتشدد في فحص الرجال على مقتضى هذه الشروط، من ذلك رفضه رواية علماء بلد بأسره، فقد قيل له: "لم لا تحدث عن أهل العراق؟ قال: لأني رأيتهم إذا جاءونا يأخذون الحديث عن غير ثقة، فقلت: إنهم كذلك في بلادهم"([11]). 2. حرص الإمام مالك على أن يذكر الأحاديث الصحيحة وفق مذهبه واجتهاده، فجاءت جميع أحاديثه في الموطأ منتقاة، وقد عد أهل الفن بالحديث كل ما فيه من الحديث صحيحا، إلا قليلا، فلقد وصف الحافظ ابن عبد البر الإمام مالكا في روايته وصفا موجزا محكما، فقال: "معلوم أن مالكا كان من أشد الناس تركا لشذوذ العلم، وأشدهم انتقادا للرجال، وأقلهم تكلفا، وأتقنهم حفظا، ولذلك صار إماما([12]). 3. حوى موطأ الإمام مالك عددا من الأحاديث المرفوعة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - والموقوفة على الصحابة والتابعين تبلغ حوالي ألف وسبعمائة وعشرين حديثا - جملة المرفوع الصحيح منها حوالي ستمائة حديث قد اشتملت على أعلى شروط الصحة، وأجمع العلماء على قبولها والأخذ بها، وقد دخلت في كتب السنة الصحيحة، وهناك أحاديث لم يتصل سندها، وإنما هي بلاغات أو مراسيل كان الإمام مالك يقول فيها: "بلغني أن ابن عمر، أو أن عمر، أو أن أبا هريرة قال: "ويغفل ذكر السند إلى من ذكر بلاغة عنه، أو كان يذكر السند حتى إذا وصل إلى التابعي رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم - وهو المرسل - ومذهب الإمام مالك تصحيح هذه البلاغات والمراسيل؛ لقربهما من عصر النبوة، ولتميز رواتهما بالأمانة والعدالة والثقة، ولكن العلماء لم يقبلوا هذه البلاغات والمرسيل على إطلاقها، وراحوا يلتمسون لها طرقا متصلة، فتبين لهم أن الإمام مالكا لم يذكر هذه الحلقات وهي موجودة بالفعل، ومن يبحث عنها يجدها، وهذا ما فعله العلامة ابن عبد البر في كتابه "التمهيد" الذي وصل فيه روايات الموطأ([13]). 4. لم يقتصر الإمام مالك في الموطأ على ذكر الأحاديث المرفوعة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - سواء كانت متصلة أم منقطعة، بل ضمنه طائفة من الآثار الموقوفة على الصحابة والتابعين، فبلغت الموقوفات حوالي ستمائة وثلاثة عشر، وأقوال التابعين مائتين وخمسة وثلاثين([14]). 5. ومن أهم ما يمتاز به موطأ الإمام مالك أنه جمع فيه بين الحديث وفقه الحديث، فنرى الإمام يستنبط ويفرع، وينقل القارئ إلى بيئة السنة والحديث، وينقل طالب العلم إلى معايشة السنة النبوية([15]). لهذا المنهج الفريد الذي وضعه الإمام مالك في موطأه، والذي جعله يحتل هذه المكانة العالية بين الناس، فقد عرف واشتهر من خلال موطئه الذي مكث فيه أربعين سنة يهذبه وينقحه، ويؤكد هذا ما أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد" من قول عمر بن عبد الواحد صاحب الأوزاعي قال: "عرضنا على مالك الموطأ في أربعين يوما، فقال: كتاب ألفته في أربعين سنة أخذتموه في أربعين يوما! قلما ما تفقهون فيه"([16]). ولقد ألفه الإمام مالك بإشارة من الخليفة العباسي المنصور، حينماحج وذهب إلى المدينة، فطلب من الإمام مالك أن يضع للناس كتابا في الحديث و الفقه، فقال له: وطئ لنا كتابا في العلم تجنب فيه شدائد ابن عمر، ورخص ابن عباس، وغرائب ابن مسعود، فألف كتابه هذا وسماه الموطأ([17]). وذكر السيوطي لهذه التسمية سببا آخر، وهو ما روي من أن مالكا قال: "عرضت كتابي هذا على سبعين فقهيا من فقهاء المدينة فكلهم واطأني عليه فسميته الموطأ"([18]).  ومنذ ألف مالك الموطأ والعلماء يضربون أكباد الإبل إلى المدينة يسمعونه منه([19])حتى لقد رواه عن مالك بغير واسطة أكثر من ألف رجل. ولقد عني الناس بالموطأ على اختلاف مشاربهم فكان منهم المبرزون من الفقهاء كالشافعي، ومحمد بن الحسن، وابن وهب، وابن القاسم، ومنهم جهابذة المحدثين؛ كيحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الرزاق بن همام، ومنهم الملوك والأمراء؛ كالرشيد وابنيه الأمين والمأمون، وبذلك اشتهر الموطأ في عصر مؤلفه فانكب الناس جميعا عليه من جميع ديار الإسلام القاصي منهم والداني، ثم لم يأت زمان إلا ازداد الموطأ فيه شهرة على شهرته، واشتدت عناية الناس به، ولا عجب فعليه بنى فقهاء الأمصار مذاهبهم حتى أهل العراق في بعض أمورهم، ولم يزل العلماء يخرجون أحاديثه، ويذكرون متابعاته وشواهده، ويشرحون غريبه، ويضبطون مشكله، ويبحثون عن فقهه ويفتشون عن رجاله، كما لم يزل الخلفاء يعرفون قدره([20]). هذا هو موطأ الإمام مالك وهذه هي مكانته عند صاحبه، وغيره من العلماء في كل زمان ومكان، لم يشك الإمام مالك لحظة في صحة أحاديثه؛ رغم ذلك ظل أربعين سنة ينقحه ويهذبه حتى لم يترك فيه إلا الصحيح. لقد اختلفت آراء العلماء حول درجة الموطأ في السنة، وتلك الاختلافات لا يخرج رأي منها عن كون الموطأ من أصح كتب الحديث. وقد قام الدكتور السباعي بدراسة مستفيضة حول هذا الأمر، فقال: أما ما درجة الموطأ في السنة فقد اختلفت آراء العلماء حولها: فقال قوم: بأنه مقدم على الصحيحين؛ لمكانة الإمام مالك رحمه الله ولما عرف عنه من التثبت والتمحيص، وحسبك أنه ألف في أربعين سنة، وممن ذهب إلى هذا الرأي ودافع عنه ابن العربي، وهو رأي جمهور المالكية. ومنهم من جعله مع الصحيحين في مرتبة واحدة، وإليه يشير كلام الدهلوي في كتاب حجة الله البالغة، حيث تحدث عن طبقات كتب السنة، وجعل في الطبقة الأولى منها، الموطأ والصحيحين. ومنهم من رأى مرتبته دون مرتبة الصحيحين، وهو رأي جمهور المحدثين، ويعبر عن سر ذلك ابن حجر حيث يقول: "إن كتاب مالك صحيح عنده، وعند من يقلده على ما اقتضاه نظره من الاحتجاج بالمرسل والمنقطع وغيرهما"، والمحدثون على عدم الاعتداد بالمرسل والمنقطع وماعدا المتصل، فلا جرم أن كانت مرتبة الموطأ عندهم دون مرتبة الصحيحين. وقد أجاب أصحاب القولين الأولين عن وجود الأحاديث المرسلة والمنقطعة في الموطأ فقالوا بأنها متصلة السند من طرق أخرى، فلا جرم أنها صحيحة من هذا الوجه. وممن عني بوصل ما في الموطأ من مرسل ومنقطع ومعضل، الحافظ ابن عبد البر، ومما قاله: "وجميع ما فيه من قوله بلغني"، ومن قوله "عن الثقة" عنده مما لم يسنده، واحد وستون حديثا كلها مسندة من غير طريق مالك إلا أربعة أحاديث لا تعرف وهي: 1.  «إني لا أنسى، ولكن أنسى».

مقالات ذات صلة