دعوى وجود أحاديث ضعيفة وموضوعة في صحيح مسلم
يدعي بعض الواهمين أن صحيح مسلم يحوي كثيرا من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ويستدلون على ذلك بما ورد في حديث الإسراء الذي رواه مسلم من قول أنس بن مالك «وذلك قبل أن يوحى إليه» إذ تكلم الحفاظ على هذه اللفظة وضعفوها؛ متسائلين كيف تكون ليلة الإسراء التي فرضت فيها الصلاة قبل الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟ وكذلك حديث«خلق الله التربة يوم السبت» وقد اتفق الناس على أن يوم السبت لم يقع فيه خلق، وأن ابتداء الخلق كان يوم الأحد. وأيضا الحديث الوارد عن أبي سفيان أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - لما أسلم: «يا رسول الله أعطني ثلاثا: تزوج ابنتي أم حبيبة، وابني معاوية اجعله كاتبا، وأمرني أن أقاتل الكفار، كما قاتلت المسلمين، فأعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - ما سأله...»، ويرون أن في هذا الحديث من الوهم ما لا يخفى على أحد؛ إذ إن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج من أم حبيبة وهي بالحبشة، وأصدقها النجاشي، وأبو سفيان أسلم يوم الفتح، فكيف يطلب منه الزواج منها وهو متزوجها في الأصل؟ ويدعون كذلك أن به أحاديث موضوعة بدليل حديث «إن طالت بك مدة أوشك أن ترى قوما يغدون في سخط الله ويروحون في لعنته...» وهذا الحديث قد عده ابن الجوزي في الموضوعات. ويتساءلون: كيف نسميه صحيحا، وقد ورد فيه أحاديث موضوعة وضعيفة؟ رامين من وراء ذلك إلى زعزعة ثقة المسلمين في صحيح مسلم. 1) لقد أجمع نقاد الحديث وصيارفته - قديما وحديثا - على أن أحاديث صحيح مسلم كلها أحاديث صحيحة، وهؤلاء هم أهل الفن الذين يعتد بأقوالهم في ذلك، ولو أن به أحاديث غير صحيحة لما أجمعوا على ذلك، لا سيما أنهم قد درسوا غير الصحيحين وبينوا أن فيها الصحيح والضعيف. 2) إن حديث الإسراء والمعراج الذي رواه مسلم حديث صحيح، ولفظة «قبل أن يوحى إليه» لا تعني أن الإسراء والمعراج كان قبل البعثة، وإنما المعنى قبل أن يوحى إليه في شأن الإسراء والمعراج، لا الوحي بالرسالة، ويشهد لذلك قوله في الحديث نفسه أن جبريل قال لبواب السماء لما قال له: «أبعث إليه؟ قال: نعم». 3) إن حديث «خلق التربة يوم السبت» حديث صحيح، فالصحيح أن بداية الخلق كانت يوم السبت لا يوم الأحد؛ إذ الآثار القائلة بأن بداية الخلق كانت يوم الأحد ضعيفة لا تصح، عامتها من الإسرائيليات، وتسمية الأيام هذه مأخوذة من أهل الكتاب. 4) إن قول أبي سفيان للنبي صلى الله عليه وسلم «أزوجكها»؛ أي أرضى بزواجك من أم حبيبة فاقبل مني الرضا، وطلب ذلك تطيبا لقلبه، ويرى بعضهم أنه طلب منه أن يتزوج ابنته الأخرى التي كانت تكنى بأم حبيبة وخفي عليه تحريم الجمع بينهما. 5) لقد أخطأ ابن الجوزي عندما أورد في كتابه الموضوعات حديث «إن طالت بك مدة أوشكت أن ترى قوما...»؛ إذ إنه حديث صحيح رواه مسلم وغيره، و"أفلح" المذكور في السند ثقة مشهور، صالح الحديث، وقد روي هذا الحديث من طرق أخرى تثبت صحته. لقد أجمع نقاد الحديث وصيارفته قديما وحديثا على أن أحاديث صحيح مسلم صحيحة كلها، وأجمعت الأمة كذلك على صحة كل ما جاء في الصحيحين، وقد كثرت أقوال علماء الحديث في ذلك، وهم أهل هذا العلم الذين قضوا حياتهم في دراسته؛ حتى عرفوا كل صغيرة وكبيرة فيه، فهم الذين يعتد بقولهم في ذلك، وسوف نقتصر على ذكر بعض هذه الأقوال ليتبين لكل مدع صحة كل ما في صحيح مسلم من أحاديث. يقول الإمام مسلم وهو مصنف الصحيح: "عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي، فكل ما أشار أن له علة تركته، وكل ما قال: إنه صحيح، وليست له علة، فهو هذا الذي أخرجته"([1]). ويقول ابن الصلاح (ت: 643هـ) في بيان أقسام الحديث الصحيح: "وأعلاها الأول، وهو الذي يقول فيه أهل الحديث كثيرا "صحيح متفق عليه" يطلقون ذلك ويعنون به اتفاق البخاري ومسلم، لا اتفاق الأمة عليه، لكن اتفاق الأمة عليه لازم من ذلك وحاصل معه؛ لاتفاق الأمة على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول"([2]). وقد جزم ابن كثير بأنه ليس في الصحيحين حديث ضعيف، فقال: "ثم حكي أن الأمة تلقت هذين الكتابين بالقبول، سوى أحرف يسيرة، انتقدها بعض الحفاظ، كالدارقطني وغيره، ثم استنبط من ذلك القطع بصحة ما فيهما من الأحاديث؛ لأن الأمة معصومة عن الخطأ، فما ظنت صحته ووجب عليها العمل به، لا بد وأن يكون صحيحا في نفس الأمر، وهذا جيد"([3]). وقد سئل النووي - رحمه الله - هل في صحيح البخاري ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، والمسانيد المشهورة، حديث غير صحيح وأحاديث باطلة. أو في بعضها دون بعض؟ أجاب رحمه الله: أما البخاري ومسلم فأحاديثهما صحيحة، وأما باقي السنن وأكثر المسانيد؛ ففيها الصحيح، والحسن، والضعيف، والمنكر، والباطل([4]). وقال النووي في مقدمة شرح صحيح مسلم: "... وإنما يفترق الصحيحان وغيرهما من الكتب في كون ما فيهما صحيحا لا يحتاج إلى النظر فيه، بل يجب العمل به مطلقا، وما كان في غيرهما لا يعمل به حتى ينظر، وتوجد فيه شروط الصحيح([5]). وقال الشوكاني في شأن الصحيحين: "ولا حاجة لنا في الكلام على رجال إسناده، فقد أجمع أهل هذا الشأن أن أحاديث الصحيحين أو أحدهما، كلها من المعلوم صدقه، المقبول المجمع على ثبوته، وعند هذه الإجماعات تندفع كل شبهة، ويزول كل تشكيك"([6]). وقال أيضا: "واعلم أن ما كان من أحاديث هذا الكتاب في أحد الصحيحين فقد أسفر فيه صبح الصحة لكل ذي عينين؛ لأنه قد قطع عرق النزاع ما صح من الإجماع على تلقي جميع الطوائف الإسلامية لما فيها بالقبول، وهذه رتبة فوق رتبة التصحيح عند جميع أهل المعقول والمنقول، على أنهما قد جمعا في كتابيهما أنواع الصحيح، مما اقتدى به وبرجاله من تصدى بعدها للتصحيح"([7]). وقال المحدث الشيخ أحمد شاكر: "الحق الذي لا مرية فيه عند أهل العلم بالحديث من المحققين، وممن اهتدى بهديهم وتبعهم على بصيرة من الأمر، أن أحاديث الصحيحين صحيحة كلها، ليس في واحد منها طعن أو ضعف، وإنما انتقد الدراقطني وغيره من الحفاظ بعض الأحاديث على معنى أن ما انتقدوه لم يبلغ في الصحة الدرجة العليا التي التزمها كل واحد منهما في كتابه، وأما صحة الحديث في نفسه فلم يخالف أحد فيها، فلا يهولنك إرجاف المرجفين، وزعم الزاعمين، أن في الصحيحين أحاديث غير صحيحة، وتتبع الأحاديث التي تكلموا فيها، وانتقدوها على القواعد الدقيقة التي سار عليها أئمة أهل العلم، واحكم عن بينة، والله الهادي إلى سواء السبيل"([8]). هذه هي آراء نقاد الحديث وصيارفته في صحيح مسلم خاصة، وفي الصحيحين عامة، وما حكموا بعدم وجود أي من الأحاديث الضعيفة والموضوعة فيه إلا للمنهج الصارم الذي وضعه الإمام مسلم في اختياره للأحاديث التي جمعها في صحيحه، فقد سلك الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه طرقا بالغة في الاحتياط والإتقان، والورع والمعرفة، وذلك مصرح بكمال ورعه، وتمام معرفته، وغزارة علومه، وشدة تحقيقه بحفظه، وتشدده في هذا الشأن، وتمكنه من أنواع معارفه، وعلو محله في التمييز بين دقائق علومه لا يهتدي إليها إلا أفراد في الأعصار، فرحمه الله،... وإنه لا يعرف حقيقة حاله إلا من أحسن النظر في كتابه مع كمال أهليته، ومعرفته بأنواع العلوم التي يفتقر إليها صاحب هذه الصناعة([9]). ونخلص من هذا كله إلى أن كل ما في صحيح مسلم من أحاديث هي أحاديث صحيحة لا ضعف فيها، وأن الأمثلة التي استدل بها الزاعمون على وجود حديث ضعيف أو موضوع فيه لا تثبت أمام النقد الحديثي النزيه، والدقة العلمية المجردة، وتحري الحق. ولو أن به شيئا من الضعيف أو الموضوع؛ لما أجمع العلماء والأمة على صحة ما فيه لا سيما وأنهم درسوا كل كتب السنة، وبينوا أن منها ما هو صحيح كله دون وجود ضعيف أو موضوع فيه كصحيحي البخاري ومسلم، وأن منها ما هو يشتمل على الصحيح والضعيف كالسنن والمسانيد وغيرها. إن حديث الإسراء الذي أورده المشككون حديث صحيح، فقد أورده مسلم في صحيحه من طريق شريك بن عبد الله بن أبي نمر قال: «سمعت أنس بن مالك يحدثنا عن ليلة أسرى برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مسجد الكعبة، أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام...»الحديث ([10]). وقد روى البخاري هذا الحديث أيضا عن عبد العزيز بن عبد الله، حدثني سليمان عن شريك بن عبد الله أنه قال: «سمعت أنس بن مالك يقول ليلة أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مسجد الكعبة أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام فقال أولهم: أيهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم...»الحديث([11]). قال ابن حجر: وصرح المذكورون(يعني: الخطابي، وابن حزم، وعبدالحق، وغيرهم) أن شريكا تفرد بذلك، وفي دعوى التفرد نظر؛ فقد وافقه كثير بن خنيس... عن أنس، كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في كتاب "المغازي" من طريقه([12]). وقال ابن حزم: الآفة من شريك، ورد أبو الفضل بن طاهر على ذلك بقوله: تعليل الحديث بتفرد شريك، ودعوى ابن حزم أن الآفة منه شيء لم يسبق إليه؛ فإن شريكا قبله أئمة الجرح والتعديل ووثقوه، ورووا عنه، وأدخلوا حديثه في تصانيفهم، واحتجوا به([13]). قال الحافظ المزي في تهذيبه: "قال عباس الدوري عن يحيى بن معين، والنسائي: ليس به بأس، وقال محمد بن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال: ابن عدي: وشريك رجل مشهور من أهل المدينة، حدث عنه مالك وغير مالك من الثقات، وحديثه إذا روى عنه ثقة لا بأس به إلا أن يروي عنه ضعيف([14]). قال ابن طاهر: وحديثه هذا رواه عنه ثقة وهو سليمان بن بلال([15])، وإذا كان الحديث صحيح الإسناد كما بينا، فالسؤال الآن: كيف يكون الإسراء قبل البعثة؟ قال ابن حجر: قوله«فلم يرهم» أي: بعد ذلك «حتى أتوه ليلة أخرى» ولم يعين المدة التي بين المجيئين، فيحمل على أن المجيء الثاني كان بعد أن أوحي إليه، وحينئذ وقع الإسراء والمعراج، وإذا كان بين المجيئين مدة فلا فرق في ذلك بين أن تكون تلك المدة ليلة واحدة أو ليالي كثيرة أو عدة سنين، وبهذا يرتفع الإشكال عن رواية شريك، ويحصل به الوفاق أن الإسراء كان في اليقظة، بعد البعثة وقبل الهجرة، ويسقط تشنيع الخطابي وابن حزم، وغيرهما بأن شريكا خالف الإجماع في دعواه أن المعراج كان قبل البعثة. وأما ما ذكره بعض الشراح أنه كان بين الليلتين اللتين أتاه فيهما الملائكة سبع، وقيل: تسع، وقيل: عشر، وقيل: ثلاثة عشر، فيحمل على إرادة السنين لا كما فهمه الشارح المذكور أنها ليال، وبذلك جزم ابن القيم في هذا الحديث نفسه، وأقوى ما يستدل به أن المعراج بعد البعثة، قوله في هذا الحديث نفسه أن جبريل قال لبواب السماء إذ قال له: «أبعث؟ قال: نعم»؛ فإنه ظاهر في أن المعراج كان بعد البعثة، فيتعين ما ذكرته من التأويل([16]). وقال ابن حجر أيضا: "وأجاب بعضهم عن قوله: "أن القبلية هنا في أمر مخصوص، وليست مطلقة، واحتمل أن يكون المعنى قبل أن يوحى إليه في شأن الإسراء والمعراج مثلا؛ أي: أن ذلك وقع بغتة قبل أن ينذر به، ويؤيده قوله في حديث الزهري:«فرج سقف بيتي»([17])([18]). وبهذا يتبين أنه لا إشكال في هذا الحديث سندا ولا متنا؛ إذ إن شريكا هذا قبله أئمة الجرح والتعديل، وأن هذا الحديث رواه عن ثقة، وأنه لم ينفرد به، فقد وافقه عليه غيره بذلك، ولا إشكال في الجمع بين قوله:«قبل أن يوحي إليه»، وقوله: «وقد بعث؟