هل التحاكُمُ إلى السنَّةِ النبويَّةِ إعطاءٌ لحقِّ التشريعِ لغيرِ الله؟
الجوابُ التفصيليّ: حقيقةُ هذه الشبهةِ هي رَدُّ السنَّةِ بدعوى تعظيمِ اللهِ تعالى وتنزيهِهِ عن الشركاء، وقد جاءت هذه الشبهةُ في كلامِ بعضِ أهلِ البِدَعِ المتقدِّمين. ويتبيَّنُ بطلانُها مِن وجهَيْن: 1- الأدلَّةُ على حجِّيَّةِ السنَّةِ النبويَّةِ، تَنْفي أن يكونَ التحاكُمُ إليها شركًا باللهِ تعالى: فإن اللهَ تعالى إذا دلَّنا في كتابِهِ الكريمِ على وجوبِ طاعةِ الرسولِ ^، ودلَّنا أن السنَّةَ مِن الوحيِ الذي جاء به النبيُّ ^، ثم كان ذلك شركًا -: فإن نتيجةَ ذلك: أن اللهَ تعالى يدُلُّ عبادَهُ على الشركِ به، وأن القرآنَ يدعو - حينئذٍ - إلى الشركِ باللهِ تعالى. فدعوى أن التحاكُمَ إلى السنَّةِ شِركٌ، حقيقتُها نِسبةُ الدعوةِ إلى الشركِ إلى القرآنِ العظيم: قال اللهُ تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3- 4]. وقال اللهُ عزَّ وجلَّ مخاطِبًا رسولَهُ ^: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]. وقال اللهُ سبحانه أيضًا: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: 51- 52]. فهذه الآياتُ نصوصٌ قرآنيَّةٌ قاطعةٌ في أن السنَّةَ النبويَّةَ وحيٌ مِن عندِ اللهِ تعالى، وأن كلَّ ما يقولُ الرسولُ ^، أو يَفعَلُ - فيما يتَّصِلُ بالبلاغِ عن الله - إنما هو الحقُّ مِن عندِ الله. وكذلك تدُلُّ الآياتُ على وجوبِ الاحتكامِ إلى رسولِ اللهِ ^، والرضا بما يحكُمُ به، والتسليمِ والإذعانِ لذلك، وأن مَن لم يحتكِمْ إلى رسولِ اللهِ ^، ولم يَرْضَ بحُكمِهِ، فهو خارجٌ عن الإيمان، وليس له حظٌّ مِن الإسلام. أما كونُ طاعةِ رسولِ اللهِ ^ واجبةً على المسلِمِ، وأنها مِن طاعةِ اللهِ تعالى -: فحَسْبُكَ فيها قولُ اللهِ تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80]. فهذه آياتٌ قاطِعاتٌ في أن الاحتكامَ إلى الرسولِ ^، وطاعتَهُ، إنما هو احتكامٌ إلى اللهِ تعالى، وطاعةٌ له سبحانه، وقد قال اللهُ تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ} [النساء: 80]. 2- استقلالُ السنَّةِ النبويَّةِ بأحكامٍ شرعيَّةٍ، لا يعني أن النبيَّ ^ يشرِّعُ مِن تِلْقاءِ نفسِه: فالسنَّةُ النبويَّةُ التي جاءت فيها أحكامٌ مستقِلَّةٌ، إنما جاءت بوحيٍ مِن اللهِ تعالى لنبيِّه ^، ولم يأتِ بها النبيُّ ^ مِن تِلْقاءِ نفسِه؛ فهو مبلِّغٌ عن اللهِ تعالى، ومؤدٍّ عنه، لا مشرِّعٌ معه، وليس شريكًا له في الحُكمِ أو التدبير. وإن مما يوضِّحُ هذا المعنى بجلاءٍ: ما جاء عن التابعيِّ الجليلِ حسَّانَ بنِ عطيَّةَ رحمه الله تعالى: أنه قال: «كان جِبْرِيلُ يَنزِلُ على النبيِّ ^ بالسُّنَّةِ، كما يَنزِلُ عليه بالقرآنِ؛ يعلِّمُهُ إيَّاها، كما يعلِّمُهُ القرآن» رواه الخطيبُ في «الفقيهِ والمتفقِّه» (1/267). فالاستنادُ إلى ورودِ السنَّةِ التشريعيَّةِ الاستقلاليَّةِ في دعوى أن الاحتكامَ إلى السنَّةِ شركٌ -: جهلٌ بصفةِ النبيِّ ^ ووظيفتِهِ التي وُكِلَتْ إليه، وجهلٌ بمعنى الرسالةِ والنبوَّة.