دعوى أن تركَ الحديثِ النبويِّ سائغٌ عند بعضِ المذاهبِ؛ كالمالكيَّةِ، والحنفيَّة.
الجوابُ التفصيليّ: لا شَكَّ أن القولَ بتركِ بعضِ الأئمَّةِ الفقهاءِ الكبارِ للسنَّةِ، وعدمِ العملِ بها، قولٌ مردودٌ، ودعوى لا دليلَ عليها. وبيانُ خطأِ هذا القولِ مِن عدَّةِ وجوهٍ، منها: أوَّلًا: عنايةُ أئمَّةِ المذاهبِ وعلماءِ الأمَّةِ بالسنَّة: إن أصولَ المذاهبِ كلِّها، الركنُ الثاني فيها بعد القرآنِ: هو السنَّةُ الصحيحةُ؛ فكلُّ المذاهبِ بلا استثناءٍ تَرَى وجوبَ العملِ بها، والاحتكامَ إليها، وعدمَ إعمالِ العقلِ فيما ورَدَ فيه نصٌّ صريحٌ في القرآنِ أو السنَّة. وقد رُوِيَ عن الإمامِ أبي حنيفةَ؛ أنه قال: «آخُذُ بكتابِ اللهِ، فإنْ لم أَجِدْ، فبسُنَّةِ رسولِ الله، فإنْ لم أَجِدْ في كتاب اللهِ ولا سنَّةِ رسولِهِ، أخَذْتُ بقولِ أصحابِه؛ آخُذُ بقولِ مَن شِئتُ منهم، وأَدَعُ قولَ مَن شِئتُ منهم، ولا أخرُجُ مِن قولِهم إلى قولِ غيرِهم، فأمَّا إذا انتهى الأمرُ إلى إبراهيمَ الشَّعْبيِّ، وابنِ سِيرِينَ، والحسَنِ، وعَطَاءٍ، وابنِ المسيِّبِ - وعدَّد رجالًا - فقد اجتهَدوا؛ فأجتهِدُ كما اجتهَدوا». «تاريخُ ابنِ مَعِين» (4/ 63/ رواية الدُّوري)، و«تاريخ بغداد» (15/ 504). وهذا الإمامُ مالكٌ: يأتيهِ رجُلٌ، فيسألُهُ عن حُكْمٍ معيَّنٍ، فيقولُ له الإمامُ مالكٌ: قال رسولُ اللهِ ﷺ كذا وكذا، فقال الرجُلُ: أرأيتَ كذا؟ فقال الإمامُ مالكٌ قولَ اللهِ تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]. «شرحُ أصولِ اعتقادِ أهلِ السنَّة» لللالكائي (1/ 144 رقم 294). وهذا الإمامُ الشافعيُّ لم يَرْوِ حديثًا صحيحًا إلا عَمِلَ به، وكان يقولُ: «متى ما رَوَيتُ عن رسولِ اللهِ ﷺ حديثًا صحيحًا، فلم آخُذْ به، فأُشهِدُكم أن عقلي قد ذهَبَ». «المدخَلُ إلى السنن الكبرى» للبيهقي (ص 205 رقم 250). وكان يقولُ لأتباعِهِ: «إذا وجَدتُّم في كتابي خلافَ سُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقولوا به، ودَعُوا ما قلتُ». «المدخَلُ إلى السنن الكبرى» للبيهقي (ص 205 رقم 249)، و«الفقيه والمتفقِّه» للخطيب البغدادي (1/ 389 رقم 406). وكذا كان حالُ جميعِ أئمَّةِ السلَف، وأصحابِ المذاهبِ الفقهيَّةِ المتبوعة، وأكَّدوا جميعًا على أنه يُؤخَذُ برأيِهم، إلا إذا لم يكن هناك نصٌّ صحيحٌ في السنَّة. فلا يُتصوَّرُ أبدًا أن يكونَ هناك إمامٌ يعتمِدُ رأيَهُ، وهناك حديثٌ صحيحٌ عنده، ويتعمَّدُ في فقهِهِ تركَ السنَّة. ثانيًا: تفسيرُ تركِ إمامٍ مِن الأئمَّةِ لحديثٍ في السنَّةِ، وعدمِ العملِ به: قد نجدُ في كُتُبِ السلفِ مخالَفةَ إمامٍ مِن الأئمَّةِ لحديثٍ صحيحٍ في السنَّة؛ وهذا يَرجِعُ إلى حالةٍ مِن هذه الحالات، ولا يخرُجُ عنها بحالٍ أبدًا: - إما أن هذا الإمامَ لم يعتقِدْ أن النبيَّ ﷺ قال هذا الحديثَ أصلًا؛ فلم يثبُتْ عنده، أو لم يَصِلْه. - أو أن الإمامَ لا يعتقِدُ أن النبيَّ ﷺ أراد بهذا الحديثِ عَيْنَ المسألةِ التي يَبحَثُ فيها الإمامُ. - أو أن الإمامَ يعتقِدُ أن هذا الحديثَ منسوخٌ بنصٍّ آخَرَ في الوحي. وعدا ذلك: فجميعُ الأئمَّةِ على وجوبِ التزامِ سُنَّةِ النبيِّ ﷺ، وعدمِ إعمالِ الرأيِ معها؛ وذلك بصريحِ أقوالِهم. ثالثًا: دفعُ شبهةِ عدمِ أخذِ الإمامِ أبي حنيفةَ بالسنَّةِ في فقهِه، وضعفِ عنايتِهِ بالسنَّة: كانت عنايةُ الإمامِ أبي حنيفةَ بطلبِ العِلمِ، وأخذِ السنَّةِ عن الأئمَّةِ في عصرِهِ عنايةً عظيمةً، وكان رحمه الله معظِّمًا لها، وقد رحَلَ في حداثةِ سِنِّهِ في تحصيلِها، وجاب الآفاقَ في سبيلِ ذلك، فتعلَّم على يدِ حمَّادِ بنِ أبي سليمانَ، وعامرٍ الشَّعْبيِّ، وعطاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ، وعِكرِمةَ مولى ابنِ عبَّاسٍ، والزُّهْريِّ، ونافعٍ مولى ابنِ عُمَرَ؛ وهؤلاءِ كلُّهم مِن علماءِ الحديث. وهذا هو المعقولُ، والموافِقُ لطبائعِ الأمور؛ وإلا فكيف صار أبو حنيفةَ إمامًا مجتهدًا؟! ومِن شروطِ المجتهِدِ: أن يُحيطَ بأحاديثِ الأحكامِ، وهذه الأحاديثُ بالآلاف. إلا أن البيئةَ التي كان فيها الإمامُ أبو حنيفةَ - وهي العراقُ - كانت بيئةً مليئةً بالمِلَلِ والنِّحَل، والآراءِ المتضارِبةِ في السياسةِ والعقيدة: فعلى أرضِها كانت الشيعةُ؛ فكانت كلُّ شيعةٍ وفِرْقةٍ تضَعُ لنفسِها مِن الأحاديثِ، وتَكذِبُ على رسولِ اللهِ ﷺ بما ينصُرُ رأيَهم ومعتقَدَهم؛ ولذلك وضَعَ أبو حنيفةَ شروطًا كثيرةً في قَبولِ الأحاديثِ، والعملِ بها؛ خشيةَ أن يَعمَلَ بحديثٍ مكذوبٍ وضَعهُ بعضُ المبتدِعةِ لنصرةِ مذهَبِهم؛ فكان رضيَ اللهُ عنه دقيقًا في قَبولِ الأحاديثِ، وإنما حمَلهُ على ذلك شيوعُ الكذبِ؛ فكان متحرِّزًا أن يُنسَبَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ما لم يصدُرْ عنه. ولا نقولُ: بأن التحرُّزَ هو الصوابُ في هذا الحال، ولكنَّ فهمَ بيئةِ الإمامِ رحمه اللهُ ضروريٌّ لتفهُّمِ خلافِهِ الواضحِ مع باقي المذاهب. لا سيَّما وأن كُتُبَ السنَّةِ لم تكن قد دُوِّنَتْ في عصرِه؛ فلم يكن هناك الكُتُبُ الصِّحاحُ؛ كصحيحِ البخاريِّ ومسلمٍ، ولا كتُبُ السُّنَنِ المشهورة، ولا الدواوينُ الجامعة. كما أن علماءَ الحنفيَّةِ عندهم شروطٌ في قَبولِ خبرِ الواحدِ؛ مثلُ عدمِ معارَضتِهِ للأصولِ، أو لعمومِ القرآن، أو ككونِهِ مما تعُمُّ به البَلْوى؛ وهذا مِن قَبيلِ الأقوى مِن الأدلَّة، لا مِن ردِّ الأدلَّة، وقد خالَفَهم الجمهورُ؛ لأنهم يرَوْنَ أن العملَ بالحديثِ أقوى؛ وهذا مما يَسُوغُ فيه الخلافُ بين الفقهاء. رابعًا: تفسيرُ موقفِ الإمامِ مالكٍ مِن السنَّةِ، ومِن عملِ أهلِ المدينة: إذا خالَفَ عملُ أهلِ أيِّ بلدٍ مِن البلدانِ عملَ السنَّةِ الصحيحةِ الثابتةِ عن النبيِّ ﷺ، فإنه لا يجوزُ لأيِّ أحدٍ أن يعطِّلَ السنَّةَ، أو يشكِّكَ في صحَّتِها، أو يُلْغِيَ مدلولَها، مِن أجلِ مراعاةِ عملِ هذا البلد. ولا اعتبارَ هنا لتواتُرِ السنَّةِ مِن آحاديَّتِها؛ فالشرطُ أن تكونَ صحيحةً ثابتةً. فالخبرُ الآحاديُّ الصحيحُ حجَّةٌ مطلَقةٌ؛ سواءٌ وافَقَ عملَ أهلِ المدينةِ أو خالَفه. وهذا هو الأصلُ المتقرِّرُ عن علماءِ الإسلامِ - بمَن فيهِمُ المالكيَّةُ - على مَرِّ الأزمان، مِن لدُنِ الصحابة - رضوانُ اللهِ عليهم - إلى يومِ الناسِ هذا. ولا شكَّ أن تصديرَ الدعوى بـ «أن الإمامَ مالكًا يقدِّمُ عملَ أهلِ المدينةِ على السنَّةِ»؛ هكذا بإطلاقٍ، ويكأنه يقدِّمُ عملَ أهلِ المدينةِ لذواتِهم، ولعِظَمِ قدرِ المدينةِ على قدرِ السنَّةِ -: غلَطٌ يحتاجُ إلى تصحيحٍ وتفصيل. فالمقصودُ بـ «عملِ أهلِ المدينةِ» عند الإمامِ مالكٍ رحمه اللهُ: هو: «عملُ أهلِ القرونِ الثلاثةِ الأُولى»، ومفهومُ عمَلِهم عند الإمامِ مالكٍ هو: «أمرٌ مِن الدِّينِ نقَلهُ جمعٌ عن جمعٍ مِن صحابةِ النبيِّ ﷺ»؛ فهم أوَّلُ الناسِ استقاءً مِن سُنَّةِ النبيِّ ﷺ؛ فعمَلُهم بمَثابةِ الحديثِ المتواتِرِ عند الإمامِ مالكٍ رضيَ الله عنه. فالذي يَقصِدُهُ الإمامُ مالكٌ رحمه اللهُ مِن «عملِ أهلِ المدينة»: هو ما أجمَعَ عليه أهلُ المدينةِ في القرونِ الثلاثةِ الأُولى، ونقَلهُ جمعٌ عن جمعٍ، ويكونُ هذا المنقولُ عملًا واردًا عن النبيِّ ﷺ، لا عن اجتهادِ غيرِه. ففي هذه الحالِ: عملُ أهلِ المدينةِ الذي يَقصِدُهُ الإمامُ مالكٌ رضيَ اللهُ عنه: هو نقلٌ، ونصٌّ متواتِرٌ مِن السنَّة. ومع هذا كلِّه: فقد خالَفَ جمهورُ العلماءِ مذهبَ الإمامِ مالكٍ في هذا الأصل، وهو تقديمُ عملِ أهلِ المدينةِ؛ كالشافعيَّةِ، والحنابلةِ، وغيرِهم، وذكَروا حُجَجَهم في ذلك. فهذه مسألةٌ وقَعَ فيها الخلافُ بين العلماءِ؛ وهو مِن قَبيلِ الخلافِ العِلميِّ المقبولِ الذي يكونُ كلا طرفَيْهِ مجتهِدًا مُريدًا باجتهادِهِ تعظيمَ كلامِ اللهِ، وكلامِ رسولِه، وإصابةَ المرادِ منهما على حقيقتِه. وعليه: فإن النظرَ إلى موقِفَيِ الإمامَيْنِ الكبيرَيْنِ أبي حنيفةَ ومالكٍ فيما ذهَبَا إليه باجتهادِهما، لا يُمكِنُ أن يُوصَفَ أبدًا بتركِهِمُ العملَ بالسنَّة، أو تعطيلِهم لمدلولِها، أو تقديمِ قولِ أحدٍ - كائنًا مَن كان - على قولِ النبيِّ ﷺ.