دعوى أن الوضع في الحديث بدأ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم
يدعي بعض المشككين أن الوضع في الحديث بدأ في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو حي بين أظهر أصحابه، مستدلين على ذلك بأنه لما كثر الكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - في زمنه خطب في الناس قائلا: «أيها الناس، قد كثرت علي الكذابة، ألا من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». هادفين من وراء ذلك إلى التشكيك في السنة النبوية لكونها ليست من أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - بسبب ما دخلها من وضع وتغيير. 1) لم يظهر الوضع في الحديث النبوي في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما كانت بداية ظهوره بعد اندلاع الفتنة في آخر حياة سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، وانقسام الأمة وتفرقها بعد وفاته، وظهور المذاهب المختلفة. 2) إن حديث "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" لم يرد ما يثبت أن سبب قوله هو الكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته، وإنما قاله حين أمرهم بتبليغ حديثه إلى من بعدهم. لقد حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - من الكذب عليه، فقال صلى الله عليه وسلم: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» [1] لذا يستحيل أن يكون الوضع بدأ في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن المتفق عليه أن الوضع في الحديث بدأ في أواخر عصر أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، وذلك حينما وقعت الفتنة التي أدت إلى استشهاده رضي الله عنه، وبدأ ظهور فرق الشيعة والخوارج وغيرهم، تلك الفتنة التي أشعل فتيلها أقوام من الحاقدين على الإسلام، ويعتبر بعضهم أن سنة أربعين من الهجرة هي الحد الفاصل بين صفاء السنة وخلوصها من الكذب والوضع، وبين التزيد فيها واتخاذها وسيلة لخدمة الأغراض السياسية والانقسامات الداخلية، بعد أن اتخذ الخلاف بين علي ومعاوية رضي الله عنهما شكلا حربيا سالت به دماء وأزهقت فيه أرواح، وبعد أن انقسم المسلمون إلى طوائف متعددة[2]. وربما اعتبر بعضهم أن الوضع بدأ قبل ذلك في الفتنة التي كانت زمن عثمان رضي الله عنه، ويدل عليه كلام ابن سيرين، والذي أخرجه مسلم بسنده إلى ابن سيرين قال: «لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم» [3]. أما من زعم أن الوضع بدأ في زمن النبوة فزعمه مردود لضعف الحديث الذي استدلوا به؛ إذ جاء من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه وابن الزبير. فقد رواه عن أبيه، قال: "جاء رجل إلى قوم في جانب المدينة، فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرني أن أحكم برأيي فيكم في كذا، وفي كذا، وقد كان خطب امرأة منهم في الجاهلية فأبوا أن يزوجوه، فذهب حتى نزل على المرأة، فبعث القوم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: كذب عدو الله، ثم أرسل رجلا، فقال: إن أنت وجدته حيا فاضرب عنقه، وما أراك تجده حيا، وإن وجدته ميتا فحرقه، فانطلق الرجل فوجده قد لدغ فمات فحرقه، فعند ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"[4]. وهذا الحديث أخرجه ابن الجوزي من طرق، والطحاوي من طريقين بأسانيد إلى علي بن مسهر عن صالح بن حيان عن عبد الله بن بريدة عن أبيه بلفظه الذي ذكرناه سابقا. وأما حديث ابن الزبير، فقد أورده ابن الجوزي بسنده إلى المعافى بن زكريا قال: حدثنا محمد بن هارون أبو حامد الحضرمي قال: حدثنا السري بن يزيد الخراساني قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن علي الفزاري قال: حدثنا داود بن الزبرقان قال: أخبرني عطاء بن السائب عن عبد الله بن الزبير قال يوما لأصحابه: أتدرون ما تأويل هذا الحديث: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». قال: وساق القصة بنحوها[5]. وبإمعان النظر في سندي الحديث يظهر لنا ما يأتي: أما الحديث الأول (حديث بريدة): فمدار طرقه كلها على صالح بن حيان، وهو المتفرد به، وصالح بن حيان قد اتفق الأئمة على تجريحه ولم يوثق، قال فيه البخاري في التاريخ الكبير والتاريخ الصغير: فيه نظر، والبخاري إذا قال في رجل: "فيه نظر" فقد اتهمه ولا تحل الرواية عنه؛ لأنها من الألفاظ المستعملة في الرمي بالوضع عنده. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال ابن معين: ضعيف الحديث. وقال ابن حبان: يروي عن الثقات أشياء لا تشبه حديث الأثبات، ولا يعجبني الاحتجاج به إذا لم يوافق الثقات. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ. وهكذا علماء الجرح والتعديل مجمعون على ضعف صالح بن حيان، وقد حكموا عليه بالترك و النكارة، ومن المعلوم أن من كان هذا حديثه فلا يعتبر ولا يتقوى؛ لأن راويه متهم، وهذا طعن في عدالة الراوي، وقد تفرد، ولم يتابع. وأما حديث السري بن يزيد الخراساني ومحمد بن علي الفزاري أبو جعفر: فأغلب الظن أنه لم يرد ذكرهما في كتب التراجم والرجال. وأما داود بن الزبرقان: فقد قال فيه أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث ذاهب الحديث[6]. وقال ابن معين: حديثه ليس بشيء.