هل شَكَّ إبراهيمُ في قدرةِ اللهِ على إحياءِ الموتى؛ ولذلك طلَبَ مِن اللهِ أن يُثبِتَ له ذلك؟
يُمكِنُ تجليةُ هذا الإشكالِ مِن خلالِ ما يلي: الأوَّلُ: تفسيرُ الآيةِ، وكلامُ السلَفِ فيها: قولُ إبراهيمَ عليه السلامُ: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} [البقرة: 260] ، له معنًى يُعرَفُ بالسِّياق: قال المفسِّرون: إن هذا القولَ لم يصدُرْ عن إبراهيمَ عليه السلامُ عن شكٍّ في قدرةِ اللهِ على إحياءِ الموتى، وإنما طلَبَ المعايَنةَ، فليس الخبَرُ كالعِيان؛ ولذا قال الأخفشُ رحمه الله: «لم يكن ذلك شكًّا منه، ولم يُرِدْ به رؤيةَ القلبِ، وانما أراد به رؤيةَ العين». «معاني القرآن» للأَخفَش (1/ 198). وقال الحسَنُ، وقتادةُ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، والرَّبيع: «سأل ليَزدادَ يقينًا إلى يقينِه». «تفسير الطبري» (5/ 492-493 ط. شاكر). وأما ما جاء في حديثِ البخاريِّ (3372)، ومسلِمٍ (151): أن النبيَّ ^ قال: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ» : فقد أُجيبَ عنه: بأن معناه: أنه لو كان شاكًّا، لكنَّا نحن أحَقَّ به، ونحن لا نشُكُّ؛ فإبراهيمُ أجدَرُ ألا يشُكَّ؛ فهو مؤمِنٌ بذلك، ويطلُبُ المعايَنةَ ورؤيةَ الكيفيَّة؛ ليزدادَ يقينًا، أي: يريدُ الترقِّيَ مِن عِلمِ اليقينِ إلى عينِ اليقين؛ فإبراهيمُ عليه السلامُ لم يكن شاكًّا، بل طلَبَ زيادةَ الإيمانِ واطمئنانَ القلب؛ والإيمانُ يزيدُ وينقُصُ، كما هو معتقَدُ أهلِ السنَّةِ والجماعة. الثاني: دلائلُ إيمانِ إبراهيمَ عليه السلامُ، وبراءتِهِ مِن الشكِّ: فدلائلُ يقينِ إبراهيمَ عليه السلامُ ظاهرةٌ في الآتي: أوَّلًا: إجابتُهُ بقولِهِ: {قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] ؛ فهذا بيِّنٌ أنه لم يَسْألْ ذلك لشكٍّ فيه، وفَقْدِ إيمانٍ به، وإنما أراد الطمأنينةَ وزيادةَ الإيمان، التي هي هنا عينُ اليقين. ثانيًا: بل إن دعوى ورودِ الشكِّ والوساوسِ إلى قلبِ نبيٍّ مِن الأنبياءِ أمرٌ مرفوضٌ عقلًا؛ لأن اللهَ تعالى اصطفى هؤلاءِ الأنبياءَ مِن البشَرِ، وعصَمَهم مِن الزيغِ والانحراف، وكلَّفهم ببيانِ دِينِهِ للناس، وجعَلَهم حُجَّةً على خلقِهِ يوم القيامة؛ فكيف سيُحَاجُّ اللهُ الناسَ يوم القيامةِ بالرسُلِ، وهم على حالٍ يحتمِلُ الزَّيْغَ والانحرافَ، والنقائصَ العقليَّةَ أو الإيمانيَّة؟! ثالثًا: توارُدُ ثناءِ القرآنِ على إبراهيمَ عليه السلامُ في غيرِ موضعٍ، وبيانُ جهادِهِ ودعوتِهِ في بلاغِ الدِّينِ الحقِّ، والذبِّ عنه، والحِجاجِ في الدعوةِ إليه: ومنه قولُهُ تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 120] ؛ فشَهِدَ اللهُ لنبيِّه بالتوحيدِ والحنيفيَّةِ له سبحانه، وعدمِ الإشراكِ به، بل إن لفظةَ «أُمَّةً» تَعْني أنه عليه السلامُ كان إمامًا وقُدْوةً للناس؛ فكيف سيَجعَلُ اللهُ للناسِ قُدْوةً يُصيبُها الشكُّ في إيمانِها؟! ومنه قولُهُ تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [البقرة: 258] ؛ وهذا في مقامِ حِجاجِ إبراهيمَ عليه السلامُ للنُّمْرُودِ - الذي كان طاغيةَ عصرِه - في نفسِ القضيَّة؛ فقدَّم له البراهينَ على قدرةِ اللهِ تعالى في إحياءِ الموتى؛ فكيف بمَن حاجَّ خَصْمَهُ في مسألةٍ أن يُتَّهَمَ بالشكِّ فيها بعد ذلك؟! وعليه: فإبراهيمُ عليه السلامُ لم يشُكَّ في قدرةِ اللهِ على إحياءِ الموتى، وإنما كان سؤالُهُ عن المعايَنةِ وكيفيَّةِ إحياءِ الموتى؛ لينتقِلَ مِن حالةِ عِلمِ اليقينِ إلى حالةِ عينِ اليقينِ؛ فاليقينُ - كما دلَّت عليه الآياتُ، وذكَرهُ العلماءُ - له ثلاثُ درَجاتٍ ومراتبَ، وليس مرتبةً واحدةً، ومعلومٌ أنه ليس الخبرُ كالعِيانِ، ومراتبُ اليقينِ هي: عِلمُ اليقين، وأقوى منه عينُ اليقين، وأقوى منه حقُّ اليقين؛ كما قال تعالى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ} [الواقعة:95].