بينات

شبهات حول أحوال الرسل

العودة للتصنيفات

لماذا الغضَبُ المتكرِّرُ مِن ظهورِ الأنبياءِ في الأفلام؟

لماذا الغضَبُ المتكرِّرُ مِن ظهورِ الأنبياءِ في الأفلام؟
الجوابُ التفصيليّ: يُمكِنُ إزالةُ الإشكالِ الواردِ في السؤالِ مِن خلالِ النِّقاطِ التالية: أوَّلًا: الأنبياءُ صفوةُ الخلقِ، ولا يدانِيهم أحدٌ: مِن المعلومِ بالضرورةِ: أن الأنبياءَ لهمُ المكانةُ العاليةُ، والمنزلةُ الساميةُ؛ فهم صفوةُ الخَلْقِ، وساداتُ البشَرِ، ولا يصلُحُ كلُّ أحدٍ لهذا المَقامِ الرفيعِ؛ فقد قال اللهُ تعالى فيهم: {اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} [الحج: 75]، وقال تعالى: {اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124]. وقد صان اللهُ تعالى الأنبياءَ أن يتمثَّلَ بهم أحدٌ، حتى ولو في المَنامِ؛ فقد جاء في «الصحيحَيْن»: «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ، فَقَدْ رَآنِي؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي»؛ رواه البخاري (6197)، ومسلم (2266). وكلُّ الأفلامِ والرواياتِ التي تَعرِضُ صورةً مشوَّهةً للأنبياءِ، فهي مفترِيةٌ على الحقيقة، ومعتدِيةٌ على الإنسان، بل على أفضلِ الناسِ، وعلى أتباعِ الأنبياءِ عمومًا. ثانيًا: النِّيَّةُ الصالحةُ لا تَكْفي وحدَها في العمل: نحن نَرَى أن الدِّرَاما مؤثِّرةٌ جدًّا في إيصالِ المعلومة؛ لكنَّ النِّيَّةَ الصالحةَ وحدَها لا تَكْفي في قيامِ العملِ واستقامتِهِ وصلاحِه، بل لا بدَّ مِن موافَقةِ العملِ للشرعِ أيضًا، وقد قال النبيُّ ^: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ، فَهُوَ رَدٌّ» ؛ رواه البخاري (2697)، ومسلم (1718)، أي: مردودٌ على صاحبِه، وقد جمَعَ اللهُ تعالى هذَيْنِ الشرطَيْنِ في قولِهِ: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110]؛ قال بعضُ السلفِ: «قولُهُ تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}، أي: أخلَصُهُ وأصوَبُه، قالوا: ما أخلَصُهُ وأصوَبُه؟ قال: «إن العمَلَ إذا كان خالصًا، ولم يكن صوابًا، لم يُقبَلْ، وإذا كان صوابًا، ولم يكن خالصًا، لم يُقبَلْ؛ حتى يكونَ خالصًا صوابًا، والخالصُ: أن يكونَ لله، والصوابُ: أن يكونَ على السُّنَّة». ثالثًا: مصلحةُ تجسيدِ الأنبياءِ مصلحةٌ متوهَّمةٌ: مصالحُ تمثيلِ الأنبياءِ - ولو بصورةٍ إيجابيَّةٍ - لا تُوازي مفاسدَ ذلك. حتى وإن قيل: «إن في تجسيدِ الأنبياءِ مصلحةً»، فالجوابُ: أن هذه مصلحةٌ متوهَّمةٌ، وتعارِضُها مفاسدُ كثيرةٌ. فإن هذا الممثِّلَ الذي سيجسِّدُ دَوْرَ «النبيِّ» ليس في منزلتِهِ مطلَقًا، وليس في هيئاتِهم وسِماتِهم؛ فقد ذكَرَ اللهُ تعالى جملةً مِن الأنبياءِ عليهم السلامُ، ثم قال: {وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 86]، وقد قال تعالى في حقِّ نبيِّنا ^: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور: 63]؛ فلا يُساوِيهم، أو يُدانِيهم أحدٌ. وهذا التفضيلُ يقتضي توقيرَهم واحترامَهم، وعدمَ إنزالِ أحدٍ في منزلتِهم. رابعًا: مفاسدُ تجسيدِ الأنبياء عليهمُ السلامُ: والدِّرَاما لا بدَّ أن تحتوِيَ تفاصيلَ كثيرةً؛ في الكلامِ واللباسِ والتعامُلِ وغيرِ ذلك، وهذه الأشياءُ لا تكادُ تُعرَفً تفاصيلُها الحقيقيَّةُ عن الأنبياء؛ إذِ النقلُ عنهم محدودٌ بأشياءَ فيها منفعةٌ. ومِن هنا: فلا بدَّ للحَبْكةِ الدِّراميَّةِ مِن إضافاتِ الكذبِ الكثيرِ لاستكمالِ القصَّةِ أو للإثارةِ، ولو سَلِمَتْ هذه الحَبْكةُ مِن الإساءةِ لمقامِ النبوَّةِ، فلا تَسلَمُ مِن نسبتِها غيرِ الصحيحةِ للأنبياءِ الذين هم مبلِّغون عن الله. وهذا الممثِّلُ - في الغالبِ - يجسِّدُ غيرَ ذلك مِن الأدوار؛ فمرَّةً: يمثِّلُ دَوْرَ «ساقطٍ سِكِّيرٍ»، ومرَّةً: دَوْرَ «زعيمِ عصابةٍ»، ومرَّةً: دَوْرَ «مُحِبٍّ وَلْهانَ»، وما يشتمِلُ على ذلك من قُبُلاتٍ وأحضانٍ محرَّمةٍ، وكلُّ هذا يشوِّشُ الصورةَ النقيَّةَ للأنبياءِ عليهمُ السلامُ؛ فإن مَن جسَّد «صورةَ النبيِّ»، ينطبِعُ في أذهانِ الناس، وهذا معلومٌ مشاهَدٌ، بالإضافةِ لاشتمالِ هذه الأعمالِ التي فيها تجسيدُ الأنبياءِ على «محرَّماتٍ، ونساءٍ متبرِّجاتٍ، ونحوِ ذلك»، و«سوءِ قصدٍ أحيانًا» في إيصالِ مفاهيمَ مغلوطةٍ، أو نقلِ الغَثِّ والسمينِ دون تثبُّتٍ؛ فيحصُلُ التشويهُ لجَنَابِ الأنبياء عليهم السلام. ولهذا أفتَتِ المجامعُ الفقهيَّةُ بعدمِ جوازِ تمثيلِ الأنبياءِ مطلَقًا، ووجوبِ منعِه.

مقالات ذات صلة