لماذا يكونُ الوحيُ بطرُقٍ خفيَّةٍ، ولا يأتي جِبرِيلُ بصورتِهِ الحقيقيَّةِ مبلِّغًا الناسَ ما يُريدُه؟
هذه الشبهةُ خارجةٌ عن النَّسَقِ العلميِّ القائمِ على الاستدلالِ العقليّ، والجوابُ عنها يحتاجُ إلى كشفِ ما تضمَّنَتْهُ مِن خَلْطٍ بين برهانِ صدقِ الوحي، وبين طريقةِ وصولِه: فنحنُ لا نُنكِرُ أن نزولَ الوحيِ على قلبِ النبيِّ ^، ليس مشاهَدًا في ذاتِه، وإنما الذي كان يشاهِدُهُ الصحابةُ: آثارُ ذلك النزولِ على جسَدِهِ الشريف، ولكنَّ ذلك ليس قادحًا في النبوَّةِ البتَّةَ؛ لأن هناك فرقًا بين طريقِ وصولِ الوحيِ إلى النبيِّ، وبين دليلِنا على صحَّةِ ذلك الوحيِ وصدقِه: فطريقةُ وصولِ الوحيِ إلى النبيِّ غيبٌ بالنسبةِ لنا، وهذا الغيبُ لا يختلِفُ في طبيعتِهِ عن أنواعِ الغيوبِ الأخرى التي نُؤمِنُ بها: فإن المؤمِنين وغيرَهم مِن أتباعِ المذاهبِ المادِّيَّةِ، يُؤمِنون بـ «غيوبٍ كثيرةٍ» لا يَعرِفون حقيقتَها، ولا طريقةَ حصولِها في الواقع، وبعضُها بعيدٌ كلَّ البُعْدِ عن الإدراكِ الحِسِّيِّ المباشِر، وهي أبعَدُ عن التصوُّرِ مِن حادثةِ الوحيِ ذاتِه. وأما «برهانُ النبوَّةِ»، فهو يقومُ على المعطَياتِ الوجوديَّةِ العقليَّةِ التي يُمكِنُ الاعتمادُ عليها في التحقُّقِ مِن صدقِ النبيِّ؛ فهي لم تكن خفيَّةً، بل كانت ظاهرةً ومتنوِّعةً بشكلٍ كبيرٍ جِدًّا، والمطلوبُ في الإيمانِ بالأمورِ الغيبيَّةِ التصديقُ بصحَّتِها، ولا يتوقَّفُ ذلك على العِلمِ بحقيقتِها، ولا بطريقِ حصولِها. وأصحابُ هذه الشبهةِ وقَعوا في خَلْطٍ فظيعٍ بين طريقةِ حصولِ النبوَّةِ للنبيِّ، وبين برهانِها الذي يُوجِبُ التصديقَ بها؛ فتوهَّموا أن الإيمانَ بالنبوَّةِ لا يُمكِنُ إلا مع العِلمِ الحسِّيِّ المباشِرِ بطريقةِ حصولِها. وهذا توهُّمٌ منافٍ للمنهجيَّةِ العِلميَّةِ العقليَّة؛ فإن عدمَ العِلمِ بطريقِ الشيءِ لا يستلزِمُ بالضرورةِ الحُكمَ عليه بعدمِ الصحَّةِ، أو عدمِ الوقوع؛ فهناك أمورٌ وجوديَّةٌ كثيرةٌ يؤمِنُ العقلاءُ بصحَّتِها وتحقُّقِها؛ لثبوتِ الأدلَّةِ والبراهينِ الدالَّةِ على ذلك؛ مع أنهم لا يَعلَمون شيئًا عن طريقِ حصولِها في الواقع.