دعوى تناقض القرآن حول تصوره للمسيح عليه السلام
يدعي بعض المغالطين أن بالقرآن تناقضا حول تصوره للمسيح - عليه السلام - فتارة يذكر أنه عبد، وتارة أخرى يشير إلى أن طبيعته تشبه الطبائع الإلهية. كما أن القرآن يعطي المسيح من الألقاب العظام ما لم يعطه لغيره من الأنبياء، فهو "كلمة الله"، و "روح الله"، و: (وجيها في الدنيا والآخرة) (آل عمران: 45) إلى غير ذلك. ويتساءلون: إذا كان الذي ذكره القرآن عن المسيح - عليه السلام - يفوق ما ذكره عن سائر البشر بمن فيهم محمد - صلى الله عليه السلام - ألا يشير هذا إلى تميز المسيح - عليه السلام - عن سائر البشر، وهذا ما يقره الإنجيل عن لاهوت المسيح؟! ·لا تناقض بين الآيات التي تعرضت لذكر المسيح - عليه السلام - فهي تصفه بأنه بشر خصه الله ببعض الخصائص التي تميز بها عن بقية الرسل، وهذه الخصائص والمزايا، منح من الله تعالى له، وليست ذاتية فيه. لا تناقض بين الآيات التي تعرضت لذكر المسيح - عليه السلام - فهي تصفه بأنه بشر خصه الله ببعض الخصائص التي تميز بها عن بقية الرسل؛ مثل تسميته بـ "كلمة الله"، و "روح الله"، وولادته بالروح القدس من عذراء، وقدرته على إتيان المعجزات، ورفعه إلى السماء، وكونه وجيها في الدنيا والآخرة، ووصفه بأنه المخلص وأنه قدوس بلا شر، وهذه الخصائص والمزايا منح من الله - عز وجل - له، وليست ذاتية فيه؛ ولو كان القرآن الكريم ينسب للمسيح شيئا بمعزل عن إرادة الله وإذنه، لكان لهؤلاء المغالطين حق في أن يستدلوا بهذه الخصائص على ألوهيته. أما وإنها منح من الله - عز وجل - له، فإنها تدل على عبوديته لله، لا على ألوهيته، كما قال الله: (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل) (الزخرف:56) ولو كانوا موضوعيين، يبحثون عن الحقيقة المجردة، لاعترفوا بفضل القرآن، وأنه كلام الله، وبفضل رسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم - وأنه مبلغ عن الله كلامه، وبفضل الأمة الإسلامية، وأنها نقلت ما بلغه رسول الله لها نقلا أمينا، ولم تبادلهم بغضاء ببغضاء، ولم تبدل كلام الله. بل نقلت ما قاله الله في نبيه عيسى - عليه السلام - دون تبديل أو تحريف، ولم تبادلهم تشويها بتشويه، فكم حاولوا - زورا - تشويه صورة الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم!! أما البيان التفصيلي لما قيل عن لاهوت عيسى - عليه السلام - في القرآن فهو كالتالي: 1. وصفه بأنه كلمة الله، أو كلمة منه، أي: أنه نفاذ كلمته )كن( وإن كان الخلق جميعا نفاذ كلمته، وأثرا لها، إلا أن عيسى جاء على نسق غير مألوف للناس لكونه ولد من غير أب، ومن هنا وصف بهذا الوصف. و"من" في قوله سبحانه وتعالى: (بكلمة منه) (آل عمران: 45) ليست للتبعيض حتى لا يفهم أنه جزء من الله انفصل منه كما يتوهم النصارى، وإنما هي للابتداء، مثل "من" في قوله سبحانه وتعالى: (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه) (الجاثية: ١٣) وإذا كان المسيح هو ذات كلمة الله كما يزعم النصارى، وما دامت كلمة الله تعالى قابلة لأن تنفصل منه وتتحول إلى مخلوق أو إنسان، فلم لا يكون الخلق أو الإنسانية كلها كذلك؟! إن تحول الصفة إلى ذات هو غاية في الشناعة، وإغراق في الاستحالة العقلية. ووصفه بأنه "روح منه" لا يعنى أنه ابن الله كما زعموا، ولا يعنى أنه انفصل من الله، وإلا كان آدم أحق بذلك فقد قال الله تعالى في حقه: (ونفخت فيه من روحي) (ص: ٧٢) وكان البشر كلهم كذلك؛ فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الحديث: «إن أحدكم يجمع خلقه.. ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح»[1]، وضم الحديث مع الآيات في شأن آدم وعيسى يقدم لنا الحقيقة ناصعة، وهي أن جميع البشر - بمن فيهم عيسى عليه السلام - نفخت فيهم الروح بتكليف الملك المخصص بنفخ الروح، وبنفخ الروح تحل الحياة في الجسد[2]. فقد قال تعالى في حق مريم: (فنفخنا فيها من روحنا) (الأنبياء: ٩١) كما قال عن آدم: )ونفخت فيه من روحي(، لكن التعبير عن عيسى بأنه "روح" أو "روح منه" لكونه جاء على غير الإلف، فكأنه هو الروح، ومشكلة النصارى أنهم حولوا التعبيرات المجازية في كتابهم ككلمة الأب، إلى تعبيرات حقيقية. 2. ولادته بالروح القدس من عذراء: يتخذ بعض المغالطين من هذا التمييز لعيسى عن سائر الأنبياء دليلا على أنه إله وابن إله، ويصرحون بأنه ابن، وأمه مريم وأبوه الله - حاشا لله - أما السبب في هذا التميز عندنا - نحن المسلمين - فهو لكي يظهر الله تعالى لنا آية على طلاقة قدرته، وأنه يخلق الشيء وضده، لا يعجزه شيء، فكما خلق الإنسان من أبوين، أعطانا آية على أنه يخلق من غير أب، كما خلق آدم بلا أب ولا أم، وكما خلق حواء من آدم، فقدم لنا الاحتمالات المفترضة كلها، وأنه - سبحانه وتعالى - لم يعجزه واحد منها. كما قدم الاحتمالات الأربعة في قوله سبحانه وتعالى: (يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور (49) أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير (50) (الشورى) وأنه ينفذها كلها. ولو كان المقصود بقوله تعالى: )بكلمة منه(، وقوله: )وروح منه( أنه جزء من الله انفصل منه، وأنه ابن الإله، ما عقب الله على هذه الآية بإثبات الوحدانية له - سبحانه وتعالى - ونفي الولد وإبطال التثليث، وأكد أن المسيح عبد الله ورسوله، وأن المسيح لا يستنكف أن يكون عبدا لله، بل إن مقصود الآية في المقام الأول هو نهي النصارى عن الغلو في المسيح بتأليهه، قال سبحانه وتعالى: (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين) (آل عمران) (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا (171) لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا (172) (النساء). معاني كلمة "روح الله" في الكتاب المقدس[3]: إن الله - سبحانه وتعالى ـخلق آدم - عليه السلام - ونفخ فيه من روحه: (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) (الحجر:29) ولم يقل أحد: إن آدم إله، ثم إن روح الله تأتي عندكم - في المسيحية - على عدة أوجه: · القدرة: "ولكن في الناس روحا، ونسمة القدير تعلقهم". (أيوب 32: 8). · الرأي: "الحكمة تنادي في الخارج. في الشوارع تعطي صوتها. تدعو في رؤوس الأسواق، في مداخل الأبواب. في المدينة تبدي كلامها قائلة: «إلى متى أيها الجهال تحبون الجهل، والمستهزئون يسرون بالاستهزاء، والحمقى يبغضون العلم؟ ارجعوا عند توبيخي. هأنذا أفيض لكم روحي. أعلمكم كلماتي". (الأمثال1: 20 - 23). · نفس الإنسان: "فيرجع التراب إلى الأرض كما كان، وترجع الروح إلى الله الذي أعطاها". (الجامعة 12: 7). · الإلهام: "وحل علي روح الرب وقال لي: قل هكذا الرب". (حزقيال 11: 5). · قوة الله وقدرته: "وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنا فيكم، فالذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم المائتة أيضا بروحه الساكن فيكم". (رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 8: 11). ·الخلق والإحياء: "روح الله صنعني، ونسمة القدير أحيتني". (أيوب 33: 4). · منزل الوحي على رسل الله: "لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان، بل تكلم أناس الله القديسون، مسوقين من الروح القدس". (رسالة بطرس الرسول الثانية 1: 21). وهل من الممكن أن تكون الكلمة الصادرة عن الرب هي الرب نفسه؟ فأنتم تقولون بذلك في بداية إنجيل يوحنا، بيد أن العقل السوي يأبي ذلك ويناقض معتقداتكم. فليس معنى أنه كلمة الله أنه هو الله نفسه؛ فالكلمة هنا تعني أمر الله إلى أمه مريم. وفي هذا إجلال لمريم؛ إذ يصفها الله بأنها أطاعت كلمته وأمره بمجرد تأكدها أنها صادرة من عند الله. معاني كلمة "كلمة الله" في الكتاب المقدس[4]: · كتاب الله وكلامه وتعاليمه: "وهؤلاء هم الذين زرعوا بين الشوك: هؤلاء هم الذين يسمعون الكلمة، وهموم هذا العالم وغرور الغني وشهوات سائر الأشياء تدخل وتخنق الكلمة فتصير بلا ثمر". (مرقس 4: 18، 19). ·الإيمان وجهاد النفس لطاعة الله: "وإذا كان الجمع يزدحم عليه ليسمع كلمة الله". (لوقا 5: 1)، وأيضا: "وهذا هو المثل: الزرع هو كلام الله والذين على الطريق هم الذين يسمعون ثم يأتي إبليس وينزع الكلمة من قلوبهم لئلا يؤمنوا فيخلصوا". (لوقا 8: 11، 12). · الكلمة العادية أو الأمر الموجه لشخص ما، والتي قد تكون سبب سعادة أو حزن: "قال له يسوع: إن أردت أن تكون كاملا فاذهب وبع أملاكك، وأعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني، فلما سمع الشاب الكلمة مضى حزينا؛ لأنه كان ذا أموال كثيرة". (متى 19: 21، 22). ·النطق والكلام العادي: "ثم خرج يسوع من هناك وانصرف إلى نواحي صور وصيداء، وإذا امرأة كنعانية خارجة من تلك التخوم صرخت إليه قائلة: "ارحمني يا سيد يا ابن داود. ابنتي مجنونة جدا"، فلم يجبها بكلمة". (متى 15: 21 - 23). ·دليل أو إثبات: "وإن لم يسمع فخذ معك أيضا واحدا أو اثنين؛ لكي تقوم كل كلمة على فم شاهدين أو ثلاثة". (متى 18: 16). · السؤال: "فأجاب يسوع: وأنا أيضا أسألكم كلمة واحدة، فإن قلتم لي عنها أقول لكم أنا أيضا بأي سلطان أفعل هذا: معمودية يوحنا من أين كانت؟ من السماء أم من الناس؟". (متى 21: 24، 25). · التجديف: " لذلك أقول لكم: كل خطية وتجديف يغفر للناس، وأما التجديف على الروح فلن يغفر للناس. ومن قال كلمة على ابن الإنسان يغفر له، وأما من قال على الروح القدس فلن يغفر له لا في هذا العالم ولا في الآتي". (متى 12: 31، 32). ·السب واللعن والتهجم على الآخرين: "ولكن أقول لكم: إن كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حسابا يوم الدين". (متى 12: 36). ·الخطأ، أو الإثم، أو العلة، أو سبب الإدانة: "فراقبوه وأرسلوا جواسيس يتراءون أنهم أبرار؛ لكي يمسكوه بكلمة، حتى يسلموه إلى حكم الوالي وسلطانه. فسألوه قائلين: «يا معلم، نعلم أنك بالاستقامة تتكلم وتعلم، ولا تقبل الوجوه، بل بالحق تعلم طريق الله. أيجوز لنا أن نعطي جزية لقيصر أم لا؟» فشعر بمكرهم وقال لهم:«لماذا تجربونني؟ أروني دينارا. لمن الصورة والكتابة؟» فأجابوا وقالوا:«لقيصر». فقال لهم:«أعطوا إذا ما لقيصر لقيصر وما لله لله». فلم يقدروا أن يمسكوه بكلمة قدام الشعب، وتعجبوا من جوابه وسكتوا". (لوقا 20: 20 - 26). وكما رأينا لم تأت "الكلمة" أبدا بمعنى ذات الله ولا نفس الله، كما يحلوا لهم أن يفسروا على هواهم ما يثبت ألوهية يسوع؛ ومن ثم لا يمكن أن يكون الذي أوحى بكل معاني لفظ "الكلمة" قد أفاق أخيرا؛ ليوحي في إنجيل يوحنا بأن الكلمة هي الإله نفسه، مع الأخذ في الاعتبار أن علماء اللاهوت يعلمون أن هذا الإنجيل كتب بعد عام 120 ميلادية، فلا يمكن أن يكون الرب المتجسد عندهم نسي أن يوحي بأنه الكلمة لباقي الإنجيليين، وتذكرها بعد 120 سنة من مولده!! ثم قالوا: "والذين قاموا بكتابة أسفار الكتاب المقدس هم أناس الله القديسون". لقد خلت الأناجيل الأربعة وما ألحقوه بها من رسائل من بينة واحدة على أن عيسى - عليه السلام - أشار إلى نفسه أنه الكلمة، كما أن الثلاثة أناجيل الأولى المتوازية لم تشر بها إليه قط على ألسنة كاتبيها أو حكاية عن غيرهم، وأشير إلى قول لوقا الشهير في بداية إنجيله: "إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المـتيقنة عندنا، كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداما للكلمة، رأيت أنا أيضا إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق، أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس، لتعرف صحة الكلام الذي علمت به". (لوقا 1: 1 - 4). فماذا تعني "الكلمة" هنا غير ما سوف نذكره؟ وما الذي يمنع أن يكون هذا المعنى هو الذي قصده يوحنا في بداية إنجيله هو أيضا؟ معاني لفظ " كلمة" في إنجيل لوقا: ورد هذا اللفظ في إنجيل لوقا، بالمعنى نفسه الوارد في أسفار التوراة، أي: بمدلول الوحي، أو الأمر الإلهي، أو الرسالة النبوية عند أنبياء العهد القديم، ولم يتجاوز هذا الحد ولم يشر بها إلى مسيح الناصرة، أو حتى أي مسيح آخر. وهو نفس المدلول في سفر إرميا، ونصه: "اسمعوا الكلمة التي تكلم بها الرب عليكم يا بيت إسرائيل. هكذا قال الرب: ألا تتعلموا طريق الأمم ومن آيات السماوات لا ترتعبوا؛ لأن الأمم ترتعب منها". (10: 1، 2). ومعنى "الكلمة" هنا واضح لا يحتاج إلى شرح، وبمثله قال لوقا عن يوحنا المعمدان: "في أيام رئيس الكهنة حنان وقيافا كانت كلمة الله على يوحنا بن زكريا في البرية". (لوقا 3: 2)، فقد جاءت بعدة معان؛ منها: · كتاب الله: "إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينيين وخداما للكلمة". (لوقا 1: 1، 2). · رضا الله: "وقال له إبليس: إن كنت ابن الله فقل لهذا الحجر أن يصير خبزا. فأجابه يسوع: مكتوب أن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة من الله". (لوقا 4: 3، 4). · التوبيخ والنهر: "فوقعت دهشة على الجميع، وكانوا يخاطبون بعضهم بعضا قائلين: ما هذه الكلمة؛ لأنه بسلطان وقوة يأمر الأرواح النجسة فتخرج". (لوقا 4: 36). · أوامر الله ونواهيه: "وإذ كان الجمع يزدحم عليه ليسمع كلمة الله كان واقفا عند بحيرة جنيسارت". (لوقا 5: 1). · الإيمان وجهاد النفس لطاعة الله: "وهذا هو المثل: الزرع هو كلام الله، والذين على الطريق هم الذين يسمعون، ثم يأتي إبليس وينزع الكلمة من قلوبهم؛ لئلا يؤمنوا فيخلصوا".