بينات

شبهات حول بعض الآيات

العودة للتصنيفات

ادِّعاءُ تناقُضِ القرآنِ في حكمِ القتالِ في الأشهُرِ الحُرُم.

ادِّعاءُ تناقُضِ القرآنِ في حكمِ القتالِ في الأشهُرِ الحُرُم.
أوَّلًا: الجهادُ شُرِعَ في الإسلامِ؛ لإعلاءِ كلمةِ اللهِ تعالى، ورَدِّ عدوانِ المعتدِينَ على حكمِهِ، أو أرضِهِ، أو عبادِه: وقد شرَعَ لهمُ الإسلامُ شهورَ العامِ كلَّها للقتالِ فيها لأجلِ ذلك، واستَثْنى منها: الأشهُرَ الحرُمَ، وهي: رجَبٌ، وذو القَعْدة، وذو الحِجَّة، والمحرَّمُ، كما استَثْنى مكَّةَ المكرَّمةَ مِن الأماكنِ التي شرَعَ لهم فيها القتالَ؛ فالأصلُ تجنُّبُ القتالِ فيها؛ وذلك لحرمتِها وعظيمِ منزلتِها عند الله. والمقصودُ: هو تجنُّبُ ابتداءِ القتالِ فيها إن أمكَنَ، وأما إن حصَلَ عدوانٌ فيها، أو توسَّع القتالُ زمانيًّا أو مكانيًّا ليَشمَلَها -: فهذا أمرٌ خارجٌ عن الإرادة؛ ومِن المقرَّرِ أنه: قد يثبُتُ تبَعًا ما لا يثبُتُ استقلالًا. إن أعداءَ الإسلامِ يتحيَّنون كلَّ الفُرَصِ، ويستخدِمون ما أمكَنَهم مِن وسائلَ للقضاءِ على الإسلامِ، ومَحْوِ أهلِهِ مِن الوجود؛ ولذلك  نقولُ: إن مَن يطالِبُ الإسلامَ بتحريمِ القتالِ طوالَ العامِ، عليه أن يَضمَنَ عدمَ اعتداءِ أحدٍ عليهم؛ فقد أقرَّتِ الشريعةُ الإسلاميَّةُ الجهادَ ضِدَّ العدُوِّ بما يتلاءَمُ وطبيعةَ البشَرِ؛ فهو ضرورةٌ لا بدَّ منها لحمايةِ المسلِمين، ونجدةِ المستضعَفين. ثانيًا: كثيرٌ ممن يُورِدون هذه الشُّبَهَ هم في أنفُسِهم أنصارٌ لأهلِ الظلمِ الذين لم يراعُوا حُرْمةَ شهرٍ حرامٍ، ولا غيرِه: وقد حدَثَ ما يُشبِهُ هذا في سببِ نزولِ قولِهِ تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217]. وسببُ نزولِ الآيةِ: هو أن النبيَّ ^ بعَثَ عبدَ اللهِ بنَ جَحْشٍ في سَرِيَّةٍ، في رجَبٍ مِن السنةِ الثانية؛ ليترصَّدَ قُريشًا، وعندما مرَّت بهم عِيرُ قُريشٍ، هاجَموها، وقتَلوا عَمْرَو بنَ الحَضْرميِّ، وأسَروا اثنَيْنِ مِن المشرِكين، فاستغَلَّ المشرِكون الفُرْصةَ؛ ليَتَّهِموا المسلِمين بأنهم استحَلُّوا ما حرَّم اللهُ، وكَثُرَ على المسلِمين القِيلُ والقالُ، حتى نزَلتِ الآيةُ تؤيِّدُ ما فعَلهُ عبدُ اللهِ بنُ جَحْشٍ. وقد بيَّن اللهُ سبحانه في هذه الآيةِ: أن القتالَ محرَّمٌ في الشهر الحرام، ولكنَّ الأكبَرَ مِن ذلك هو: الصدُّ عن سبيلِ الله، واستحلالُ إخراجِ المسلِمين مِن المسجِدِ الحرام، وأخذُ أموالِهم، واضطهادُهم مِن قِبَلِ المشرِكين. فلْيُسْألْ تاريخُ البشريَّةِ كلِّها: مَن كان أحرَصَ الخَلْقِ على صَوْنِ حُرْمةِ الأشهُرِ الحُرُمِ، وعدمِ القتالِ فيها، واعتبارِ ذلك مِن عظيمِ الذنوب؟! لو أن لنا أن نتخيَّلَ التاريخَ إنسانًا يَنطِقُ، لأجاب بصوتٍ يَملَؤُهُ الإعجابُ: محمَّدٌ ^، ومَن تَبِعَهُ مِن المسلِمين. ولا بدَّ أن التاريخَ سيُردِفُ بعدها متسائِلًا: ما المتوقَّعُ مِن المسلِمين أن يَفعَلوا إذا بادَرَهم أعداؤُهم بالحربِ، والاعتداءِ على أعراضِهم وأنفُسِهم وأموالِهم؟ هل مِن المعقولِ أن يَقِفوا مكتوفِي الأيدي فحسبُ؟! أعتقِدُ أننا جميعًا نتَّفِقُ في الإجابةِ على هذا السؤال. وراجِعْ: جوابَ السؤال رقم: (49)، (53).

مقالات ذات صلة