هل تشوُّهُ الأَجِنَّةِ يَقدَحُ في كمالِ ربوبيَّةِ الباري جلَّ وعلا؟
الجوابُ التفصيليّ: إن الشبهةَ الواردةَ في السؤالِ قد أثارها قديمًا الجَهْمُ بنُ صَفْوانَ «رأسُ فرقةِ الجَهْميَّة»؛ إذْ «حُكِيَ عن الجَهْمِ أنه كان يخرُجُ، فينظُرُ الجَذْمَى، ثم يقولُ: «أرحَمُ الراحِمين يَفعَلُ هذا؟!»؛ يريدُ أن يقولَ: «إنه يَفعَلُ لمحضِ المشيئة، ولو كان يَفعَلُ للحكمةِ والرحمةِ، لَمَا فعَلَ هذا». وهذا مِن جهلِ الجَهْمِ؛ حيثُ لم يَعرِفْ ما في الابتلاءِ مِن الحكمةِ والرحمةِ والمصلحة. إن البلايا والمصائبَ لها حِكَمٌ ومقاصدُ متعدِّدةٌ، نبَّه إليها أهلُ العلم؛ فمنها: - معرفةُ عِزِّ الربوبيَّةِ، وقهرِها. - ومعرفةُ ذُلِّ العبوديَّةِ، وكسرِها. - والإنابةُ إلى اللهِ تعالى، والإقبالُ عليه، والتضرُّعُ إليه، والدعاءُ له. - وتمحيصُ الذنوبِ والخطايا. - ورحمةُ أهلِ البلاء، ومساعَدتُهم على بَلْواهم. - ومعرفةُ قدرِ نِعْمةِ العافيةِ، والشكرُ عليها. - وما في طَيِّ البلايا مِن الفوائدِ الخفيَّة. - والمصائبُ والبلايا تَمنَعُ الأَشَرَ والبَطَر. فربُّ العالَمينَ: أحكَمُ الحاكِمين، والعالِمُ بكلِّ شيء، والغنيُّ عن كلِّ شيء، والقادرُ على كلِّ شيء، ومَن هذا شأنُهُ، لم تخرُجْ أفعالُهُ وأوامرُهُ قطُّ عن الحكمةِ والرحمةِ والمصلحة. وما يَخْفى على العبادِ مِن معاني حكمتِهِ في صُنعِهِ وإبداعِه، وأمرِهِ وشرعِه، فيَكْفيهم فيه معرفتُهُ بالوجهِ العامِّ أن تضمَّنتْهُ حكمةٌ بالغة، وغايةٌ حميدة، وإن لم يَعرِفوا تفاصيلَها، وأن ذلك مِن علمِ الغيبِ الذي استأثَرَ اللهُ به، فيَكْفيهم في ذلك الإسنادُ إلى الحكمةِ البالغةِ، العامَّةِ الشاملةِ التي عَلِموا ما خَفِيَ منها مما ظهَرَ لهم. هذا؛ وإن اللهَ سبحانه وتعالى بنى أمورَ عبادِهِ على أنْ عرَّفهم معانيَ جلائلِ خلقِهِ وأمرِه، دون دقائقِهِما وتفاصيلِهما؛ وهذا مطَّرِدٌ في الأشياءِ: أصولِها وفروعِها: فلو عجَزْنا عن إدراكِ الحكمةِ التفصيليَّةِ في بعضِ المظاهرِ الكونيَّةِ، فإننا نتمسَّكُ بما عرَفْناهُ مِن حكمةِ اللهِ تعالى ورحمتِه، ولا نُلْغي ما عرَفْناهُ بسببِ دقائقَ لم نُدرِكْ تفاصيلَها؛ فإن هذا مخالِفٌ للمنهجِ العلميِّ، في الاعتمادِ على الاستقراءِ في تحصيلِ المعارفِ الصحيحة.