بينات

شبهات حول بعض الآيات

العودة للتصنيفات

ادِّعاءُ أن القرآنَ يدعو إلى إرهابِ غيرِ المسلِمين

ادِّعاءُ أن القرآنَ يدعو إلى إرهابِ غيرِ المسلِمين
لم يكن القرآنُ الكريمُ كتابَ عدوانٍ أبدًا، بل هو مليءٌ بالرحمةِ والعدل، والقرآنُ والشريعةُ الإسلاميَّةُ فيهما ما يحقِّقُ المقاصدَ والمبادئَ العظيمةَ، التي فيها الفوزُ والفلاحُ والخيرُ للناسِ في الدنيا والآخِرة. ومَن عرَفَ هذا الأصلَ العظيمَ، وعرَفَ أيضًا تاريخَ نزولِ القرآنِ ومعانيَهُ، لم يُشكِلْ عليه فهمُ الآيةِ التي اشتهَرَتْ بـ «آيةِ السيف»؛ وهي قولُهُ تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5]، وآياتٌ شبيهةٌ لها. وأما الجوابُ بخصوصِ الإشكالِ الواردِ في السؤالِ، فهو فيما يلي: أوَّلًا: لقد قام الكفَّارُ بظلمِ المسلِمين في الأيَّامِ الأُولى للدعوة، وتنوَّعتْ أساليبُ ذلك الظلمِ بين التعذيبِ، وأخذِ الأموالِ، والإخراجِ مِن البيوتِ: ولأن اللهَ سبحانه لا يُحِبُّ الظالِمين المعتدِين، فقد أَذِنَ للمسلِمين بصَدِّ أولئك المعتدِين؛ قال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 39-40]. فهذا سببُ تشريعِ الجهادِ في أوَّلِ الإسلامِ، وهو سببٌ قائمٌ في عامَّةِ فَتَراتِ تاريخِ الإسلامِ إن لم يكن في كلِّها. ثم إن الإسلامَ في نفسِهِ جاء لإنقاذِ البشريَّةِ مِن سُوءِ الحالِ في الدنيا والآخِرة، وهو مليءٌ بالعدلِ والرحمة، وهي أحكامٌ تناسِبُ كلَّ مجتمَعٍ في كلِّ زمانٍ. ومع ذلك فلم يزَلْ في الناسِ مَن يَمنَعُ نفسَهُ وغيرَهُ منها، وهؤلاءِ إذا اعتدَوْا على حقِّ اللهِ تعالى وحقِّ الناسِ، كانوا هم أَوْلى بوصفِ الإرهابِ، لا مَن يَدفَعُ عدوانَهم. ثم إن ما يُسمَّى بـ «آيةِ السيفِ» لم تَنسَخْ آياتِ العفوِ؛ فالعفوُ قائمٌ في كلِّ زمنٍ بحسَبِه، والإسلامُ في الجملةِ يغلِّبُ جانبَ السِّلْمِ ما أمكَنَ، ويُخبِرُ أن رحمةَ اللهِ تَغلِبُ غضبَهُ، ويُخبِرُ بعِظَمِ أجرِ مَن عفا وأصلَحَ، وإنما الذي يُستثنى مِن ذلك أحكامٌ جزئيَّةٌ يكونُ فيها العفوُ عن الجاني ضرَرًا على المظلومِ أو على غيرِه. ثانيًا: رسالةُ الإسلامِ جاءت بمبادئَ بلَغَتْ قمَّةَ المِثاليَّة، وتشريعاتُهُ تصُبُّ كلُّها في صالحِ البشَريَّة: وقد طبَّق كثيرٌ مِن المسلِمين ذلك، وليس عيبًا في الإسلامِ أبدًا أن يُخطِئَ بعضُ المسلِمين، ويرتكِبوا ما يخالِفُ تعاليمَهُ الساميةَ، بل الواجبُ: الرجوعُ إلى أحكامِ الإسلامِ نفسِه، والعقلُ السليمُ والمَنطِقُ السديدُ يَشهَدانِ على هذا. ثالثًا: القرآنُ يدعو في آياتٍ كثيرةٍ إلى مكارمِ الأخلاق، ولم تُخَصَّ في غالِبِها بالتعامُلِ مع المسلِمِ: كقولِهِ تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص: 55]، وقولِهِ عزَّ وجلَّ: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83]، وغيرِ ذلك مِن الآيات. حتى في الحربِ؛ فقد وضَعَ الإسلامُ ضوابطَ أخلاقيَّةً تقيِّدُ القتالَ، وحرَّم على المسلِمينَ تعدِّيَها، وهذه الضوابطُ قَلَّ أن يُوجَدَ لها نظيرٌ في أيِّ ديانةٍ أخرى، منها: - النهيُ عن قتلِ الضعفاءِ، ممن لا يُطِيقون القتالَ؛ كالأطفالِ، والنساءِ، والشيوخِ، والرُّهْبان. - الرِّفْقُ بالأَسْرى، والاهتمامُ بهم، وعدمُ إلحاقِ الأذى بهم. - تجنُّبُ التمثيلِ، أو الغُلُولِ، أو غيرِهما. وقد عُرِفَ عن الرسولِ ^ إيثارُهُ للسِّلْمِ على الحرب؛ كما دَلَّ على ذلك قولُهُ ^: «أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَسَلُوا اللهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ، فَاصْبِرُوا»؛ رواه البخاري (2966)، ومسلم (1742). فالإسلامُ - في طبيعتِهِ - دِينُ رحمةٍ، ولكنه - مع ذلك - دِينٌ يَمنَعُ كلَّ ضعفٍ يؤدِّي إلى تضرُّرِ الرحمةِ نفسِها؛ فهو لا يضعُفُ أمامَ المعتدِينَ الذين يَمنَعون حكمَ اللهِ الرحيم، أو يمارِسون عدوانَهم على الضعفاء. فيتَّضِحُ لنا مِن ذلك: أن الإسلامَ فرَّق بين التعامُلِ مع المعتدِين، والتعامُلِ مع غيرِ المعتدِين؛ فالمستمِرُّون بالعدوانِ يَجْري التعامُلُ معهم بالقوَّة؛ وهذا هو ما يُقِرُّهُ ويُؤمِنُ به كلُّ عاقلٍ على وجهِ الأرض، وأما غيرُهم، فيُمكِنُ أن يدخُلوا تحت حكمِ الإسلامِ إن أمكَنَ، وذلك بالجِزْيةِ العادلة، أو أن يَتِمَّ عقدُ الصلحِ معهم. رابعًا: لو نظَرْنا إلى المراجعِ الفِكْريَّةِ للذين يَرْمُون الإسلامَ - في كلِّ مناسَبةٍ تُتاحُ لهم - بتهمةِ الإرهاب -: لوجَدْنا فيها الكثيرَ مِن النصوصِ التي تحُضُّ على العدوانِ على الآخَرين، ومِن أمثلةِ ذلك: الكتُبُ المقدَّسةُ في الدِّينِ اليهوديِّ والنصرانيِّ (ومثلُهُ الدِّينُ الهِندُوسيُّ، وأديانٌ أخرى)، فإذا أوَّلُوها بتفسيرٍ، فالقرآنُ أبعَدُ عن المعنى الباطلِ بكثيرٍ، ومِن ذلك: 1- في «سِفْرِ العدَدِ» يقولُ النصُّ: «إن موسى عليه السلامُ يقولُ لشَعْبِهِ مِن بني إسرائيلَ: فالآنَ اقتُلُوا كلَّ ذَكَرٍ مِن الأطفالِ، وكلَّ امرأةٍ عرَفَتْ رجُلًا بمضاجَعةِ ذَكَرٍ اقتُلُوها» «سِفْرُ العدَدِ»: (31: 17). 2- في سِفْرِ التثنيةِ يقولُ النصُّ: «فضربًا تَضرِبُ سُكَّانَ تلك المدينةِ بحدِّ السيفِ، وتُحرِقُها بكلِّ ما فيها مع بهائِمِها بحدِّ السيفِ، تَجمَعُ كلَّ أمتعتِها إلى وسَطِ ساحتِها، وتُحرِقُ بالنارِ المدينةَ، وكلَّ أمتِعَتِها كاملةً» «سِفْرُ التثنية»: (13: 15، 16)؛ وهذا الآيةُ صرَّحَتْ بـ «السيفِ»، والقرآنُ الكريمُ كلُّه لم يُذكَرْ فيه «السيفُ». وغيرُ ذلك الكثير. فتبيَّن بذلك - وبغيرِهِ مِن النصوصِ - بطلانُ ما يردِّدونه مِن أنهم يَدْعُون إلى السماحةِ، وأن الإسلامَ يدعو إلى الإرهابِ والعُنْف. وراجِعْ: جوابَ السؤال رقم: (51)، (228).

مقالات ذات صلة