بينات

توحيد الربوبية

العودة للتصنيفات

هل استعمالُ لفظِ «نَحْنُ» مقصودًا به اللهُ سبحانه وتعالى، دليلٌ على تعدُّدِ الآلهة، وإثباتِ عقيدةِ التثليث؟

هل استعمالُ لفظِ «نَحْنُ» مقصودًا به اللهُ سبحانه وتعالى، دليلٌ على تعدُّدِ الآلهة، وإثباتِ عقيدةِ التثليث؟
إن عقيدةَ التثليثِ عقيدةٌ وثنيَّةٌ باطلةٌ؛ فقد تعدَّدت المصادرُ الوثنيَّةُ التي اقتبَسَتِ النصرانيَّةُ منها عقيدةَ التثليث، وتشابَهَتِ الأممُ الوثنيَّةُ القديمةُ والنصرانيَّةُ في مفهومِ التثليث، وهي عقيدةٌ ليس عليها دليلٌ نقليٌّ صحيحٌ، ولا عقليٌّ مُقنِعٌ. وقد بدأ الشركُ والضلالُ وبذورُ التحريفِ والتبديلِ في النصرانيَّةِ على يدِ بُولِسَ اليهوديِّ، الذي يُعَدُّ المؤسِّسَ الحقيقيَّ للنصرانيَّة، ثمَّ افترَقتِ الفِرقُ النصرانيَّةُ المثلِّثةُ في عقيدتِهم في الله، ووقَعوا في الاختلافِ والاضطرابِ والتناقُض، وكفَّر بعضُهم بعضًا، مع أن الأدلَّةَ النقليَّةَ مِن أسفارِهم تدُلُّ على فسادِ عقيدتِهم. أما النصوصُ التي يستشهِدون بها على صحَّةِ عقيدتِهم - سواءٌ مِن القرآنِ الكريمِ الذي لا يؤمِنون به، أو مِن كُتُبِهم - فشاهِدةٌ عليهم، وليست شاهِدةً لهم. وكان مما احتَجَّ به نصارى نَجْرانَ على النبيِّ ^ هذه الحجَّةُ الواردةُ في السؤال؛ فاحتجُّوا بقولِهِ تعالى: «إِنَّا»، و«نَحْنُ»، فقالوا: «وهذا يدُلُّ على أنهم ثلاثةٌ». والردُّ عليهم كما يأتي: أولًا: أن هذا الاستدلالَ مِن الاستدلالِ بالمتشابِهِ الذي اتَّبَعوهُ؛ ابتغاءَ الفتنةِ، وابتغاءَ تأويلِه، وترَكوا المحكَمَ المُبِينَ؛ فإن اللهَ في جميعِ كُتُبِهِ الإلهيَّةِ قد بيَّن أنه إلهٌ واحدٌ، وأنه لا شريكَ له، ولا مِثلَ له.  وفي وفدِ نَجْرانَ الذين احتجُّوا بهذه الآيةِ نزَلَ قولُهُ تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ} [آل عمران: 7]. ثانيًا: قولُهُ: {إِنَّا}، و{نَحْنُ}، لفظٌ يقَعُ في جميعِ اللغاتِ على أكثرَ مِن معنًى؛ فيقَعُ على مَن كان له شُرَكاءُ وأمثالٌ، ويقَعُ على الواحدِ المُطاعِ العظيمِ الذي له أعوانٌ يُطِيعونَهُ، وإن لم يكونوا شُرَكاءَ ولا نُظَراءَ. وهذا الاستعمالُ واردٌ في كلامِ الناس؛ فالواحدُ مِن الملوكِ يقولُ: «إنَّا»، و«نحنُ»، ولا يريدُ أنهم ثلاثةُ ملوكٍ؛ فمالك المُلكِ ربُّ العالَمين، ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكُهُ، هو أحقُّ بأن يقولَ: «إنَّا»، و«نحنُ»، مع أنه ليس له شريكٌ، ولا مَثيلٌ، بل له جنودُ السمواتِ والأرض. واللهُ تعالى خلَقَ كلَّ ما سواه؛ فيمتنِعُ أن يكونَ له شريكٌ أو مِثلٌ، والملائكةُ وسائرُ العالَمين جنودُهُ تعالى؛ قال تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثر: 31] ، وقال تعالى: {وَلِلهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [الفتح: 7]. فالدليلُ النقليُّ والدليلُ العقليُّ على نفيِ الشركِ، يدُلُّ على استحالةِ أن يكونَ المرادُ بذلك إثباتَ التثليثِ أو تعدُّدِ الآلهة.

مقالات ذات صلة