كيف نزَلَ القرآنُ بسبعةِ أحرُفٍ، مع القولِ بأنه نزَلَ بلُغَةِ قُريشٍ؟
لا تنافِيَ بين نزولِ القرآنِ بلغةِ قُريشٍ، وبين أن يكونَ نزَلَ بسبعةِ أحرُفٍ؛ ويتبيَّنُ ذلك مِن خلالِ ما يلي: أوَّلًا: شاء اللهُ بحكمتِهِ أن يُنزِلَ القرآنَ على سبعةِ أحرُفٍ شاملةٍ لجميعِ لهَجاتِ العربِ ولغاتِهم؛ لرفعِ الحرَجِ عن أمَّةِ الإسلام؛ وذلك بتيسيرِ قراءةِ المعنى الواحدِ بألفاظٍ مختلِفةٍ؛ إذْ لا بأسَ مِن توسعةِ الألفاظِ ما دام المعنى واحدًا، ولو أُنزِلَ بلهجةٍ واحدةٍ، لَشَقَّ على أصحابِ بقيَّةِ الألسُنِ أن ينتقِلوا مِن الكلامِ بلهجتِهم إلى غيرِها. وقد كانت الأحرُفُ السبعةُ متداوَلةً في لغةِ قُريشٍ؛ لأنها كانت خليطًا مِن لغاتِ ولهَجاتِ قبائلِ العربِ كافَّةً؛ فقد اعتاد أهلُ قُريشٍ انتقاءَ ما يتخيَّرون مِن لغاتِ ولهَجاتِ القبائلِ المختلِفةِ أثناءَ مواسمِ الحجّ، والتقاءِ القبائلِ في أسواقِها، ومواسمِها، وضمِّها إلى مفرَداتِهم، وتُعتبَرُ لغةُ قُريشٍ أفصَحَ لهَجاتِ العرَب؛ لبُعْدِها عن بلادِ العجَم؛ ولذلك كانت بقيَّةُ القبائلِ العربيَّةِ تحتكِمُ إليها في كلِّ خلافاتٍ لغويَّةٍ تنشأُ بينهم؛ ولهذا نزَلَ القرآنُ بالأحرُفِ السبعةِ مِن لغةِ قُريشٍ في الغالب. وبعد انتشارِ القراءاتِ والحروفِ المتعدِّدةِ للقرآنِ في بلادِ المسلِمين، واقتصارِ أهلِ كلِّ جزءٍ منها على قراءةٍ معيَّنةٍ، تارِكينَ ما سواها، فبعدَ ذلك حدَثَ أنِ التقى أهلُ الشامِ وأهلُ الكوفةِ في غزوِ أَرمِينيَّةَ وأَذْرَبِيجانَ، فاختلَفوا في قراءتِهم للقرآن؛ مما أدَّى إلى تنازُعِهم، ونشوبِ صراعٍ بينهم كاد يؤدِّي إلى فتنةٍ عظيمةٍ بين المسلِمين. ولذلك عمَدَ عثمانُ رضيَ اللهُ عنه إلى توحيدِ مصاحفِ المسلِمين على مصحفٍ واحدٍ، يُقرَأُ بحرفٍ واحدٍ، وهو حرفُ قُريشٍ: - وذلك لما للغةِ قُريشٍ مِن خصائصَ ذُكِرَتْ آنفًا. - ونظرًا لأن الحاجةَ إلى الأحرُفِ الأخرى قد ضَعُفَتْ. - وأَضْحَتْ تلك الأحرُفُ سببًا للشقاقِ بين المسلِمين. فقد أهمَلَها عثمانُ رضيَ اللهُ عنه، ووافَقهُ على ذلك وأقَرَّهُ بقيَّةُ الصحابةِ؛ وعلى هذا سارتِ الأمَّةُ الإسلاميَّةُ، ولا عجَبَ أنْ أدَّى ذلك إلى اندثارِ بقيَّةِ الأحرُفِ واختفائِها. ثانيًا: أُثِرَ عن عثمانَ رضيَ اللهُ عنه: أنه قال للرهطِ القرشيِّينَ الثلاثةِ - الذين كانوا مع زَيْدِ بنِ ثابتٍ في نسخِ المصاحفِ -: «إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ، فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ؛ فَفَعَلُوا ذَلِكَ»؛ رواه البخاري (3506، 4987). ويُمكِنُ تَجلِيةُ الإشكالِ فيه بما يلي: 1- أن قولَ عثمانَ محمولٌ على ابتداءِ نزولِه، وهو الحرفُ الأوَّلُ الذي نزَلَ به جبريلُ عليه السلامُ، وطلَبَ النبيُّ ﷺ الزيادةَ عليه؛ فقد نزَلَ جبريلُ بهذا الحرفِ أوَّلًا، ثم كان يأتي بالحروفِ في عَرَضاتِهِ القرآنَ مع النبيِّ ^ كلَّ عامٍ في رمضانَ، فكان يُنزِلُ اللهُ سبحانه في هذه العَرَضاتِ ما شاء أن يُنزِلَ مِن ألفاظِ اللغاتِ الأخرى، التي تدعو إليها الحاجةُ، ثم كان أن استقَرَّ الأمرُ آخِرًا بعد زوالِ الضرورةِ على هذا الحرفِ، وهو لغةُ قُريشٍ. 2- ومِن وجوهِ كونِ القرآنِ نزَلَ بلسانِ قُريشٍ، ومع هذا نزَلَ بسبعةِ أحرُفٍ، هو: أن لسانَ قُريشٍ الذي نزَلَ به القرآنُ الكريمُ، إنما انتظَمَ كثيرًا مِن مختاراتِ ألسنةِ القبائلِ العربيَّةِ، التي كانت تختلِفُ إلى مكَّةَ في موسمِ الحجِّ، وأسواقِ العرَبِ المشهورة؛ فكان القُرَشيُّون يستملِحون ما شاؤوا، ويَصطَفُون ما راق لهم مِن ألفاظِ الوفودِ العربيَّةِ القادمةِ إليهم مِن كلِّ حَدَبٍ وصَوْبٍ، ثم يصقُلُونه ويهذِّبونه، ويُدخِلونه في دائرةِ لُغَتِهم المَرِنةِ التي أذعَنَ جميعُ العربِ لها بالزَّعامةِ، وعقَدوا لها رايةَ الإمامة. وعلى هذه السياسةِ الرشيدةِ: نزَلَ القرآنُ على سبعةِ أحرُفٍ؛ يصطفي ما شاء مِن لغاتِ القبائلِ العربيَّةِ على نَمَطِ سياسةِ القرشيِّين بل أوفَقَ؛ ومِن هنا صَحَّ أن يقالَ: إنه نزَلَ بلغةِ قُريشٍ؛ لأن لغاتِ العربِ جمعاءَ تمثَّلتْ في لسانِ القرشيِّين بهذا المعنى. وكانت هذه حكمةً إلهيَّةً ساميةً؛ فإن وَحْدةَ اللسانِ العامِّ مِن أهمِّ العواملِ في وَحْدةِ الأمَّة. والحاصلُ: أن هذا السؤالَ ليس فيه ما يَقدَحُ في القرآنِ حقيقةً؛ فالأمَّةُ لم تضيِّعْ حِفْظَ القرآنِ بذلك؛ فالقراءةُ بالأحرُفِ السبعةِ لم تكن ملزِمةً، بل جعَلَ اللهُ تعالى الخيارَ للأمَّةِ في حفظِ وقراءةِ القرآنِ بما شاءت مِن تلك الأحرُفِ السبعةِ، مثلَما خيَّرها في أمورٍ أخرى؛ ككفَّارةِ حِنْثِ اليمينِ، وغيرِها مِن الأمورِ التي تؤدِّي الغرَضَ عند اللهِ تعالى.