الاستدلالُ على نقصِ القرآنِ بقصَّةِ الداجنِ التي أكَلتْ صحيفةً فيها آياتٌ
الحديثُ الذي استدَلَّ به مَن يَرَى احتماليَّةَ ضياعِ شيءٍ مِن كتابِ اللهِ، مدارُ سندِهِ كالتالي: عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرِ بنِ حزمٍ، عن عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرحمن، عن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها؛ مِن كلامِها موقوفًا عليها. ثم أخَذهُ عن عبدِ اللهِ بنِ أبي بكرٍ جماعةٌ مِن الرواة، وقد كانت روايتُهم على الأوجُهِ التالية: الوجهُ الأوَّلُ: يَرْويهِ يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، ولفظُهُ: «نَزَلَ فِي الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ أَيْضًا: خَمْسٌ مَعْلُومَاتٌ»؛ رواه مسلِمٌ في «صحيحِهِ» (1452)، وغيرُه، ونلاحِظُ في هذه الروايةِ: أنها لا تشتمِلُ على شيءٍ مِن قصَّةِ داجِنٍ تأكُلُ شيئًا مِن صُحُفِ القرآنِ الكريم. الوجهُ الثاني: يَرْويهِ الإمامُ مالكٌ رحمه الله، ولفظُهُ: «كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ؛ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَهُوَ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ»؛ رواه مالكٌ في «الموطَّأ»، كتابِ الرَّضاع (17)، ومِن طريقِهِ مسلمٌ (1452)، وغيرُهُ، ونلاحِظُ ههنا أن روايةَ الإمامِ مالكٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي بكرٍ، لا تشتمِلُ أيضًا على شيءٍ مِن قصَّةِ ماعِزٍ أو داجِنٍ، تأكُلُ شيئًا مِن المصحف، وإنما زاد فيه الجملةَ الأخيرةَ: «فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ». الوجهُ الثالثُ: يَرْويهِ محمَّدُ بنُ إسحاقَ، ولفظُهُ: «لَقَدْ أُنْزِلَتْ آيَةُ الرَّجْمِ، وَرَضَعَاتُ الْكَبِيرِ عَشْرٌ، فَكَانَتْ فِي وَرَقَةٍ تَحْتَ سَرِيرٍ فِي بَيْتِي، فَلَمَّا اشْتَكَى رَسُولُ اللهِ ﷺ، تَشَاغَلْنَا بِأَمْرِهِ، وَدَخَلَتْ دُوَيْبَّةٌ لَنَا، فَأَكَلَتْهَا». رواه الإمامُ أحمدُ في «المسندِ» (43/343)، وابنُ ماجهْ في «السُّنَنِ» (1944)، ولفظُهُ: «فَلَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَتَشَاغَلْنَا بِمَوْتِهِ، دَخَلَ دَاجِنٌ، فَأَكَلَهَا». وهذا الوجهُ فقطِ الذي يشتمِلُ على لفظٍ زائدٍ وغريبٍ عما رواه الإمامانِ الكبيرانِ: يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، ومالكُ بنُ أنسٍ، رَحِمَهما الله؛ ففيه: أن الداجِن دَخَلَتْ، فأكَلَتِ الصحيفةَ التي تشتمِلُ على آيةِ الرَّجْمِ، وآيةِ رَضَعاتِ الكبير. وهذا مما تفرَّد به محمَّدُ بنُ إسحاقَ، وهذه المخالَفةُ كافيةٌ لدى المحدِّثين في الحُكْمِ على لفظِ محمَّدِ بنِ إسحاقَ بالضعفِ والردِّ والشذوذِ؛ فـ «الحديثُ الشاذُّ» عندهم: هو الحديثُ الذي يخالِفُ فيه الراوي الثقةُ ما رواهُ الثقاتُ الأحفظُ منه، أو الأكثَرُ عددًا، وهي قاعدةٌ عقليَّةٌ سليمةٌ؛ إذْ كيف ينفرِدُ راوٍ بألفاظٍ للحديثِ نفسِهِ الذي يَرْويهِ آخَرون مِن رواتِه، وهم أكثَرُ عدَدًا، أو أقوى حِفظًا، وأعلى مَرتَبةً؟! وأين كانوا عن تلك الزيادةِ أو المخالَفة؟! ومما يَزِيدُ الأمرَ وضوحًا أيضًا: أن القاسمَ بنَ محمَّدٍ تابَعَ عبدَ اللهِ بنَ أبي بكرٍ في روايةِ الحديثِ، مِن غيرِ زيادةِ محمَّدِ بنِ إسحاقَ: فروى الطحَاويُّ في «شرحِ مشكِلِ الآثارِ» (11/486)، قال: حدَّثَنا محمَّدُ بنُ خُزَيمةَ، حدَّثَنا الحجَّاجُ بنُ مِنْهالٍ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سَلَمةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسمِ، عن القاسمِ بنِ محمَّدٍ، عن عَمْرةَ؛ أن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها، قالت: «كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ سَقَطَ: أَنْ لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلَّا عَشْرُ رَضَعَاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدُ: أَوْ خَمْسُ رَضَعَاتٍ». فاجتمَعتْ في الحديثِ عِلَلٌ: منها الكلامُ على ابنِ إسحاقَ، وعنعنتُهُ هنا، واضطرابُهُ، وتفرُّدُهُ، ومخالَفتُهُ للثقات ... فالخلاصةُ: أن قصَّةَ الشاةِ التي أكَلَتْ صحيفةَ القرآنِ الكريمِ في بيتِ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها، قصَّةٌ ضعيفةٌ لا تثبُتُ: يقولُ الباقِلَّانيُّ رحمه اللهُ في كتابِهِ «الانتصارِ للقرآن» (1/ 412، 418): «وليس على جديدِ الأرضِ أجهَلُ ممَّن يظُنُّ أن الرسولَ والصحابةَ كانوا جميعًا يُهمِلون أمرَ القرآن، ويَعدِلون عن تحفُّظِهِ وإحرازِه، ويعوِّلون على إثباتِهِ في رُقْعةٍ تُجعَلُ تحت سريرِ عائشةَ وحدَها، وفي رِقاعٍ مُلْقاةٍ ممتهَنةٍ، حتى دخَلَ داجِنُ الحَيِّ فأكَلَها، أو الشاةُ، فضاع منهم، وتفلَّت، ودرَسَ أَثَرُهْ، وانقطَعَ خبَرُهْ! وما الذي كان تُرَى يَبعَثُ رسولَ اللهِ ﷺ على هذا التفريطِ والعجزِ والتواني، وهو صاحبُ الشريعة، والمأمورُ بحفظِهِ وصيانتِه، ونَصْبِ الكَتَبةِ له، ويحضُرُهُ خلقٌ كثيرٌ متبتِّلون لهذا الباب، ومنصوبون لكَتْبِ القرآنِ، وكَتْبِ العهودِ والصلحِ والأماناتِ وغيرِ ذلك، مما نزَلَ ويحدُثُ بالرسولِ خاصَّةً، وبه حاجةٌ إلى إثباتِه؟! ... والرسولُ ﷺ منصوبٌ للبيانْ، وحِياطةِ القرآنْ، وحِفْظِ الشريعةِ فقطْ، لا حِرْفةَ له ولا شيءَ يَقطَعُهُ مِن أمورِ الدنيا غيرُ ذلك، إلا بنَصَبٍ يعودُ بنصرةِ الدِّينِ وتوكيدِه، ويُثبِتُ أمرَ القرآنِ ويُشِيدُه، وكيف يجُوزُ في العادةِ أن يَذهَبَ على هؤلاءِ وعلى سائرِ الصحابةِ آيةُ الرَّضاعِ والرَّجْمِ؛ فلا يَحفَظُها ويذكُرُها إلا عائشةُ وحدها، لولا قِلَّةُ التحصيلِ، والذَّهابُ عن معرفةِ الضروراتْ، وما عليه تركيبُ الفِطَرِ والعاداتْ. فقد بان - بجملةِ ما وصَفْناهُ مِن حالِ الرسولِ والصحابة -: أنه لا يجُوزُ أن يَذهَبَ عليهم شيءٌ مِن كتابِ اللهِ تعالى، قَلَّ أو كَثُرَ، وأن العادةَ تُوجِبُ أن يكونوا أقربَ الناسِ إلى حفظِهِ وحراستِهِ، وما نزَلَ منه، وما وقَعَ، وتاريخِهِ وأسبابِه، وناسخِهِ ومنسوخِه، وأن مَن حمَلَ قولَ قائلِهم: «وما يُدرِيكَ لعلَّه قد سقَطَ به أو ذهَبَ قرآنٌ كثيرٌ»، على أنه دُثِرَ وضاع، [وتَفَلَّتَ] [وفي المطبوع: «ونُقِلَتْ»، تحريف] عن سائرِ الصحابةِ وجميعِ الأمَّةِ؛ لإعراضِها عن إعظامِه، وقلَّةِ رغبتِها في حفظِهِ وحراستِه، واشتغالِها عنه بغيرِه، وما هو عندَهم أهمُّ منه -: فقد صار مِن الجهلِ بالعاداتِ، وما عليه أحوالُ الناسِ إلى أمرٍ عظيم». اهـ. وعلى فرضِ صحَّةِ الروايةِ، فغايةُ ما فيه: تعرُّضُ شيءٍ مما كُتِبَ فيه آياتٌ للتلَفِ؛ وهذا لا يدُلُّ أن الصحابةَ لا يَحفَظونه، أو أنه ليس مكتوبًا في مكانٍ آخَرَ؛ فهو أمرٌ يَعرِضُ مثلُهُ للمصاحفِ اليومَ، ولا يضُرُّ أصلَها المحفوظ. وكلُّ هذا لا ينقُضُ الأصلَ؛ مِن شدَّةِ عنايتِهِ وعنايتِهم بأمرِ القرآنِ الكريم، وحفظِهِ وضبطِ حروفِه، بل هيئةِ أصواتِه؛ فالقولُ بضياعِ بعضِ القرآنِ بهذه الرواياتِ، ضعيفٌ مِن كلِّ وجه.