ادِّعاءُ أن آياتِ القرآنِ وسُوَرَهُ غيرُ مرتَّبةٍ
ينُصُّ السؤالُ على أن عدَمَ تشابُهِ القرآنِ الكريمِ مع أنظمةِ الكُتُبِ البشَريَّةِ المعروفة، مِن ناحيةِ تقسيمِهِ إلى فصولٍ، أو أبوابٍ مخصَّصةٍ لكلِّ غرَضٍ مِن أغراضِهِ -: هو دليلٌ على أنه ليس وحيًا نزَلَ مِن السماء. والصوابُ: هو عكسُ ذلك تمامًا؛ فترتيبُ القرآنِ وترتيبُ مواضيعِهِ: هو نوعٌ أيضًا مِن الإبهارِ والبلاغة، وهو أيضًا إشارةٌ إلى أنه ليس مِن صُنْعِ بشَرٍ؛ فيشابِهَ كُتُبَهم وترتيبَهم؛ فلأنه مِن عندِ اللهِ جاء على غيرِ طريقةِ عبادِه. فهذا الكتابُ متميِّزٌ وفريدٌ بشكلٍ لم تَعهَدْهُ عقولُ البشَرِ مِن قَبْلُ، أي: أنه - ولا ريبَ - كتابٌ سماويٌّ منزَّلٌ مِن عندِ اللهِ سبحانه، تنزَّل حسَبَ ما دَعَتْ إليه الحاجة، واقتَضَتْهُ الحكمةُ الإلهيَّة. أليس مِن السهلِ ملاحَظةُ أن مَزْجَ المواضيعِ بهذا الشكلِ في كلِّ سورةٍ، أبلغُ في الأثرِ على نفسِ قارئِهِ؛ بحيثُ يَجعَلُهُ يتلذَّذُ بقراءتِه، أو الاستماعِ إليه؛ مما يؤدِّي إلى تنوُّعٍ في الفائدةِ التي يتلقَّاها القارئُ، أو السامعُ؟! بل هو يُشيرُ إلى أصلٍ كبيرٍ، وهو أن العلومَ ليست منفصِلةً بعضُها عن بعضٍ؛ فالتصنيفُ قد يؤطِّرُ المعانيَ، ويُوهِمُ انفصالَ المعاني بعضِها عن بعضٍ؛ فالقرآنُ جاء بهذا النظمِ المعجِزِ الذي يأخُذُ بالألبابِ، ويُثيرُ فيها المعانيَ المختلِفةَ، ولا يَفصِلُ الفكرةَ عن السلوكِ، ولا عن المشاعرِ، ولغيرِ ذلك مِن الحِكَم. ثم إن التناسُبَ الجميلَ المعجِزَ بين آياتِ القرآنِ، وسُوَرِه -: لَيَحمِلُ إشارةً إلى أنه كتابٌ أنزَلهُ اللهُ ربُّ العالَمِين، وليس مِن صُنْعِ بشَرٍ، وشَتَّانَ بين صُنْعِ البشَرِ الذي لا بدَّ وأن يَشُوبَهُ النقصُ والتقصيرُ، وبين صُنْعِ خالِقِ العالَمِينَ جميعًا، والذي فيه تحدَّى الإنسَ والجنَّ أن يأتوا ولو بسورةٍ تماثِلُ سُوَرَ القرآنِ، وهذا التحدِّي قائمٌ ومستمِرٌّ إلى أن يَرِثَ اللهُ الأرضَ ومَن عليها، يَشهَدُ بعظَمةِ الخالقِ عزَّ وجلَّ، وقدرتِهِ، وبديعِ صُنْعِه. والحاصلُ: أن الذي أثاره هذا السؤالُ إنما هو مَزِيَّةٌ للقرآنِ على ما سواه؛ فكيف يَجعَلُهُ بعضُهم مَطعَنًا فيه؟! وعليك - أيُّها القارئُ - أن تَبحَثَ في القرآنِ عن جماليَّاتِ هذا السَّرْدِ والترتيبِ، والتداخُلِ الموضوعيِّ؛ لتكتشِفَ أسرارًا بالغةَ الجَمالِ في العِلمِ والبلاغةِ، والمعرفةِ والسلوكِ، والقصصِ وغيرِها.